مباشر

سوريا... إلى أين؟

بديع يونس
نشر في: آخر تحديث:

بوضوح بدأت ترتسم صورة سوريا المستقبلية.

وإذا كانت الدول المتقدمة تضع مخططا للعقود المقبلة يبنى أولا على الاستثمار البشري، فهو لأهمية الجيل الجديد في إيقاد محرك الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية مستقبلا.

وإذا كان جيل سوريا الجديد هو الذي نشاهده في النشرات الإخبارية يوميا، أو نقابله في المخيمات في لبنان والأردن وتركيا، أو نراه عاملا في إحدى الورشات لإعالة عائلة، أو مشرّدا في الطرقات لتأمين رغيف خبز لإشباع أمعائه الخاوية، أو أمعاء أخت أو أم هجّرتها وأطفالها الحرب الدائرة في سوريا، بعد فقدانها المعيل تماما، كحال 120 ألف عائلة، بحسب تقرير أممي نشر مؤخرا، فأي مستقبل ينتظر من جيل مستقبلي يحتاج 5,5 مليون طفل منهم إلى مساعدة، فيما 2,8 مليون منهم باتوا من دون تعليم في السنوات الأخيرة؟

وبينما وصل عدد القتلى في سوريا إلى أكثر من 170 ألفاً كعدد موثق، بينهم آباء وأمهات وأشقاء وشقيقات، من ضمنهم ما لا يقل عن 11 ألف طفل، بحسب التقارير على مكاتب وفي أدرج المحافل الأممية، يبقى أن هذه الأرقام والجرائم والفظائع المرتكبة في الداخل السوري وخارجه تطبع يوميا في أذهان أطفال يراقبون ويمتصون مشاهداتهم كإسفنجة، تحدد شخصياتهم مستقبلا، بحسب ما يقول علم النفس.

كل ذلك، وناهيك عن ملايين اللاجئين، وأكثر من 7 ملايين شخص بحاجة اليوم إلى مساعدات، بينهم 3,5 مليون شخص في خضم كارثة إنسانية، بحسب تقرير رفعه الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، وسوف يقوم مجلس الأمن بدرسه في الـ30 من أبريل الحالي، وعسى ألا يخلص الاجتماع المرتقب إلى ما خلصت إليه تقارير أخرى وثقت تعذيبات واغتصابات ومجازر بحق نساء وأطفال وإبادات جماعية، ولم تنته بعد إلى شيء يذكر.

وإذ يبقى السؤال حول ماهية الرابط بين أعلاه ومستقبل سوريا، وحده التاريخ والتجارب التي فسرها العلم ووثقتها النصوص تجيب عن هذا السؤال.

وإذا كان الشخص يؤثر في الجماعة، وإذا كانت المجتمعات لا تبنى إلا بمجموع أفرادها وبإرادتهم ومعرفتهم وتطلّعهم في اتجاه واحد، هل سيكون لأطفال اليوم وعياً وإدراكاً كافيين في هيكلة سوريا الغد؟ أطفال عايشوا الجوع والمرض والبرد والانسلاخ عن محيطهم وأصدقائهم ورفاق الصفّ والحي، أُجبروا على ترك مدارسهم، وقتل ذووهم، ومورست بحقهم أبشع الجرائم النفسية من تحرش جنسي إلى اغتصاب، فعمالة وغيرها من الآفات الاجتماعية التي لن ينسوها، بل سوف تطبع شخصيتهم لا إراديا.

ويجمع علماء النفس على أن الولد يراقب، ويشعر، وكل ما يعيشه في طفولته يرافقه طوال حياته ويتجذّر فيه، وتصبح ردة فعله وشخصيته متلاصقتين، فيما أنه لا يزال في عمر لا مكان فيه للعقلانية ويتصرف اعتباطيا وبطريقة عفوية (فعلا وردا).

هؤلاء هم سوريا المستقبلية...

وينطلق علم البسيكو- سوسيولوجيا (علم النفس والاجتماع) من هذه النظرية، حيث اتخذ علماء عينة من مراهقين في سجن الأحداث وخلصت إلى أن معظم المغتصبين كانوا ضحية تحرش جنسي يوماً، والسارقون عايشوا فقرا مدقعا وجوعا، وافترشوا الأرض وحرمتهم الظروف الاجتماعية من أبسط حقوقهم الطفولية، فيما يوجد بينهم من رأى في تجارة المخدرات مهربا أو تعاطاها، فهو من عاش في بيئة تهيئ لاستغلاله بعيدا من منزل يؤويه في كنف عائلة متراصة تزرع الخير، وتهيئ أبناءها لمواجهة الحياة بالإرادة والقوة والعزيمة رغم صعابها، أما القتلة من بينهم فهم من شاهدوا أو واجهوا العنف المنزلي واعتادوا الدموية صورة أو ممارسة منذ صغرهم.

فعل يُعيد الغرب عموما والولايات المتحدة، خصوصا خطأ العام 1989؟

عندها، قام الأميركيون بدعم "الثوار" في أفغانستان بصواريخ مضادة للطائرات ضمن خطة دعم سرية أفضت إلى انسحاب السوفييت آنذاك من البلاد. خطة تسليح كلفت مئات ملايين الدولارات، وبعد إتمام الهدف وُضع الملف الأفغاني في الدرج، بينما وجب على واشنطن حينها وفق ما أجمع الخبراء، البدء بخطة إنمائية وتثقيفية وتعليمية لشعب يعيش الفقر والجهل بحكم الظروف التي مرت عليه، فالطفل الذي لم يتجاوز عمره العشر سنوات وقتها شاهد عائلته تقصف وتقتل، فيما هوية الفاعل بالنسبة له لم يفرق عقله بين طائرة سوفييتية وسلاح أميركي.

هذا الجيل نفسه، وبعد سنوات، تيسر تجنيده في عمليات انتحارية بعد غسل دماغه للمشاركة في الحرب ضد الغرب التي وصلت إلى نقطة اللارجوع في العام 2001.

بعيدا من الشق الإنساني.. هل يتحمّل الغرب سوريا مستقبلية على شكل أفغانستان؟ وهل المنطقة عموما والمصالح الغربية فيها خصوصا تتحمّل ميدانا أشبه بالميدان الأفغاني في دولة تمتاز بأهميتها الجيو– سياسية، ضمن إطار منطقة تقف دوما في عين العاصفة؟

قبل أن تذهب