مباشر

على المالكي أن يرحل

فيصل عباس
نشر في: آخر تحديث:

باستطاعة رئيس الوزراء العراقي، المنتهية ولايته، نوري المالكي أن يتحدث كما يشاء عن المؤامرات المفترضة، وأن يشير بأصابع الاتهام إلى بلدان الجوار، لكنه في النهاية لن يستطيع التملص من مسؤوليته المباشرة عما يحدث في بلاده.
على مدى ولايتين كان باستطاعة المالكي أن يصل بالعراق إلى مصالحة وطنية، وأن يضعه على طريق الاستقرار والنمو، لكنه أبى واستكبر مستفيداً من الظروف المواتية التي جعلته يطمع في ولاية ثالثة لا حق له فيها، والتي استطاع نيل حكم قضائي يمنحه إياها، لكن ذلك ليس بعيد المنال حين تكون رئيساً للوزراء وفي الوقت نفسه وزيراً للداخلية والدفاع والمالية ومتحكماً في الأمن والاستخبارات وممارساً للنفوذ مع القضاة.
استفاد المالكي من المطامع الإيرانية، ففتح أبواب العراق على مصراعيها أمام أجندة طهران وعملائها، واستفاد كذلك من غياب رئيس الجمهورية جلال طالباني الذي ما يزال يتلقى العلاج خارج البلاد منذ أكثر من عامين، كما أن الداعم الأكبر له كانت الإدارة الأمريكية الحالية التي اتسمت سياستها الخارجية بالتردد والقرارات الخاطئة والاعتقاد بأن مشاكل المنطقة ستحل نفسها بنفسها.
تعمد المالكي إقصاء السنة وتهميشهم، بدلاً من أن يعمل على كسب ودهم، ولم يتعلم مما حدث عقب سقوط نظام صدام حسين، حين حل بول بريمر حزب البعث والجيش العراقي وتسبب ببعثرة كل ما كان يمكن أن يبقي العراق موحداً، متسبباً كذلك في تشريد الآلاف من العسكريين المدربين، والسياسيين المخضرمين وتركهم من دون دور أو دخل، ومن ثم عمد إلى تفضيل الشيعة، وترك السنة من دون حياة كريمة في مناطقهم، فتعاطف بعض منهم مع «القاعدة» آنذاك.
وينسى المالكي أنه لولا عشائر السنة، لما تخلصت العراق من «القاعدة» حيث قامت الصحوات عام 2006، عقب اتفاق أداره الأمريكيون، لتخليص البلاد من هذا التنظيم الإرهابي، وتم التعهد للسنة بعدم تهميشهم، لكن المالكي والأمريكيين لم ينفذوا ما وعدوا به عشائر السنة.
وما يحدث اليوم هو تكرار لما حدث عقب سقوط صدام، فالمالكي حين اطمأن لعدم وجود منازع، وأن واشنطن لن تعمد لتقليم أظافره، تمادى، فطارد نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي حتى جعله يسكن في المنفى بتركيا بعد أن صدر عليه حكم غيابي بالقتل، وقمع تظاهرات العراقيين في مناطق السنة التي كانت تطالب بحكم ذاتي على شاكلة حكم الأكراد، واستمر في تهميش الوزراء والمسؤولين كافة حتى تحول العراق إلى ما يشبه الشركة العائلية التي تعود بالنفع فقط على المالكي وذويه وأتباعه.
هذا بكل تأكيد ليس تبريراً لما تفعله «داعش» لكنه يفسر لماذا يحظى هذا التنظيم البشع بالتعاطف، وهو خطأ المالكي الذي ترك الأمور تصل إلى هذه الدرجة من التدهور والقمع.
وبذكر «داعش» فالجدير بالذكر أيضاً أن التنظيم لم يكن لينجح في احتلال المدن العراقية لولا وجود المتحالفين معه من البعثيين والعسكريين السابقين الذين همشهم النظام الحالي.
وفي حين لا بد من الإشادة بمرجعيات السنة، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية الذين استنكروا الممارسات الداعشية وصنفوا التنظيم إرهابياً، لا بد من شكر أيضاً العلماء من الطائفتين ممن فهموا لعبة المالكي ومحاولته، لإظهار ما يحدث على أنه حرب طائفية، فما لا يدركه الكثير، هو أن المالكي لا يحظى بدعم عدد من كبار علماء الشيعة.
وباسترجاع كل هذه الأحداث، فلا بد من الظن بأن الأمريكيين يشعرون بخيبة الأمل، فها هو حليفهم الذي أرادوه بديلاً للديكتاتور صدام حسين يصبح ديكتاتوراً أبشع.
ولست أعلم كيف يمكن أن تفسر الإدارة الأمريكية لجنودها الذين قاتلوا من أجل ما اعتقدوا أنه تحرير للعراق من نظام صدام أنهم تركوا بلاد الرافدين بين خيارين كلاهما أسوأ من الثاني: فإن لم يتم حل الأزمة سريعاً سيغدو العراق محكوماً إما من متطرفي السنة (داعش) أو متطرفي الشيعة (النظام الإيراني الحاكم ورجله في بغداد نوري المالكي).
على المالكي أن يرحل، وعلى العراق أن يأتي برئيس وزراء مقبول من الجميع يضمن لأطياف المجتمع حقوقهم كافة، كما على الأرجح، يجب أن يستمع الرئيس أوباما إلى نصيحة زعيم المعارضة السناتور جون ماكين الذي دعا لاستقالة أعضاء فريق الأمن القومي كافة، نظراً لفشلهم في حفظ أمن العراق.

*نقلا عن "الرؤية" الإماراتية

قبل أن تذهب