مباشر

الردُّ على الإرهاب!!

صالح القلاب
نشر في: آخر تحديث:

قبل مشكلة أفغانستان ،التي تحولت من حالة داخلية إلى أزمة إقليمية ودولية بعد التدخل العسكري السوفياتي في عام 1979، لم تكن هذه المنطقة قد عرفت الظاهرة الإرهابية وعانت منها إلاَّ في حالات فردية تمثلت في بعض الإغتيالات السياسية التي شهدتها مصر وشهدتها بعض الدول العربية التي عانت من إهتزازات داخلية لأسباب متعددة لا ضرورة للحديث عنها الآن ونحن بصدد الحديث عن مرحلة ما بعد ظهور «القاعدة» التي «فرَّخت» كل هذه الأسماء المتداولة وآخرها «داعش» التي قد «تَلِدْ» العديد من التنظيمات ربما تكون أكثر منها عنفاً ودموية.
والمشكلة بالنسبة لأفغانستان أنَّ الولايات المتحدة ،ومعها دول المعسكر الغربي كله، بدل تصديها العسكري للغزو السوفياتي لهذا البلد الذي كان يحتل موقعاً إستراتيجياً ولا يزال قد لجأت ،تحت راية «الجهاد في سبيل الله» ضد الشيوعية العالمية الزاحفة نحو الشرق الأوسط ونحو منابع النفط، إلى عمليات تحشيد كيفـيٍّ كان لـ«الإخوان المسلمين» الباع الطويل فيها مما جعل هذا البلد ،أفغانستان، مستودعاً بشرياً لشبانٍ جاءوا إليه من كل حدْبٍ وصوب بعضهم بدافع القناعة بضرورة تخليص دولة إسلامية من الكفر والإلحاد وبعضهم هروباً من أوضاعهم المأساوية في بلدانهم بينما البعض الآخر من قبيل الإرتزاق والبحث عن لقمة الخبز حتى وإنْ كانت مغمسة بالدم!!.
والمعروف أنه بعد رحيل الجيوش السوفياتية عن أفغانستان في شباط فبراير (1989) وبعد إنهيار الإتحاد السوفياتي لاحقاً فإن هؤلاء قد عادوا إلى بلدانهم ليشكلوا بؤراً إرهابية بقي إرتباطها التنظيمي وإنْ إسمياً فقط بـ»أسامة بن لادن» وبـ«القاعدة» وبقيت هذه البؤر تنقسم على نفسها وتتكاثر فتحولت هذه الظاهرة إلى ما هو عليه الوضع الآن أي ظاهرة كونية تقض مضاجع دول العالم كلها وبدون إستثناء.
وهنا فإن ما مِنْ المفترض أنه إسترعى الإنتباه هو أن بروز هذه الظاهرة ،الإرهابية، قد ترافق مع بداية إنحسار المد القومي العربي كفكرة وكتطلعات وحدوية وكأحزاب والملاحظ أنَّ الدولتين اللتين حكمهما حزب البعث ،الذي شعاره :»أمة عربية واحدة..ذات رسالة خالدة»، أي سوريا والعراق، هما الأكثر تمزقاً الآن والأكثر مكابدة للآفة الطائفية وبالتالي الأكثر إستقطاباً للتنظيات الإرهابية التي تزداد إعدادها يوماً بعد يوم.
بعد منتصف أربعينات القرن الماضي بدأت التوجهات القومية العربية ،التي برزت كإنعكاس للتوجهات القومية الأوروبية التي سادت ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، تأخذ الطابع الحزبي وحيث كان حزب البعث أول تنظيم عربي قومي حركيٍّ ثم تلته حركة القوميين العرب التي بعد هزيمة حزيران (يونيو) بادرت إلى حلِّ نفسها وتحولت فلسطينياً إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ولبنانياً إلى منظمة العمل الشيوعي بقيادة محسن إبراهيم ويمنياً ،والمقصود هنا هو اليمن الجنوبي، إلى الحزب الإشتراكي اليمني وهكذا فإنَّ ما عزز رحيل التجربة القومية الحركية المبكِّر هو إنهيار الوحدة المصرية-السورية وإنهيار الوحدة العراقية-الأردنية وفشل كل المحاولات الوحدوية البائسة التي قام بها معمر القذافي وكانت النتيجة ،وبخاصة بعد تراجع مد الثورة الفلسطينية منذ عام 1982 فصاعداً، أنَّ المجال بات مفتوحاً أمام الإخوان المسلمين الذين لم يستطيعوا إلتقاط اللحظة التاريخية والذين بقوا :»رِجْلاً في الفلاحة ورِجْلاً في البُور» وبقوا في حقيقة الأمر يراهنون على «قاعدة» أسامة بن لادن وعلى الثورة الإيرانية وكانت النتيجة هي هذا الإفلاس المبكر الذي بات مؤكداً أنه من غير الممكن تداركه لا من خلال «بهلوانيات» رجب طيب أردوغان ولا من خلال فتاوى الشيخ يوسف القرضاوي وأيضاً ولا من خلال ما تجود به خزائن بعض الدول الخليجية!! وبالطبع ولا من خلال تجربة «حماس» التي جاءت متأخرة إثنين وعشرين عاماً منذ بداية إنطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة.
ولهذا وبالنتيجة فإننا نرى كل هذه الطَّفرة التنظيمية الإرهابية الهائلة التي من غير الممكن مواجهتها إلاَّ بخيار المزيد من الحريات العامة والمزيد من الديموقراطية وإلاَّ بتعميق الإنتماء الوطني وإطلاق الأحزاب الوطنية ذات البعد القومي فالإنتماء الوطني ببعد قومي صادق هو خشبة الخلاص بينما أنه لا خلاف على أن هذه الجرثومة المذهبية والطائفية التي أخذت تفتك بوطننا العربي هي البيئة الحاضنة لـ»داعش» وأخواتها ولكل هذه التنظيمات الإرهابية التي غدت تتكاثر بعدما حصل في العراق وفي سوريا ،برعاية إيرانية، تكاثراً بكتيرياً متصاعداً!!.

نقلا عن صحيفة "الرأي الأردنية"

قبل أن تذهب