مباشر

سموّ الثكلى

صالح الشايجي
نشر في: آخر تحديث:

لم تخرج تلطم خدّيها وتشق جيبها وتعفّر بالتراب وجهها..

تماسكت وآمنت وصبرت وخزّنت الجرح وحبست الدمع إلا ماشق عصا طاعتها..

أم ثُكلت بابنها.. مقتولا في حرمة معبد.. مسجد جعل للناس مطّهرا وباب ثواب.. وأرض تقوى..

سموّ الثكلى «كوثر الأربش».. الأم السعودية التي ثكلت بابنها محمد العيسى الشاب الذي لم يطأ عمره العشرين بعد..

افتدى «محمد» ـ بروحه ـ جموع المصلين.. وخزّن الانفجار في جسده مواجها الناسف المدمر حين أحسّ منه بريبة.. وما كان يود أن يسقط آخرون غيره شهداء تحت المحراب.. ولكن الموت أعمى لا يسير وفق هوى الصالحين المفتدين المصلين الآمنين..

مات «محمد العيسى» حارس المؤمنين.. شهيدا بطلا.. واجه الموت بشجاعة المؤمن التقي..الذي أدرك أن الموت واحد لا يتكرر في عمر الحي.. وأن يموت فداء الراكعين الساجدين.. وفداء انسان يدب على الأرض.. خير من موته حتف أنفه.. ولو بعد عمر طويل..

سموّ الثكلى ـ أمّه ـ وبعدما نعى الناعي ابنها.. قامت بتعزية أمّ قاتل ابنها والذي طير روحه بإرادته وقتل ابنها بإرادته..

تقول عن أمّ قاتل ابنها: هي أمّ ثكلت بابنها.. وأنا أمّ ثُكلت بابني.. وأعرف الثكل وثقل الموت على الأم.. فكيف لا أعزّيها..

في لقاء تلفزيوني معها.. تقول: المأساة التي تحل بنا ليست سببا للفوضى.. إنها امتحان لما نحمل من قيم..

تكلمت بثبات الانسان العاقل الذي يقدم العقل والمؤاخاة الانسانية على ما سواهما..

رسالة انسانية سامية تحملها هذه الثكلى «الكوثر»..

كان حديثها.. وكان عقلها.. وكان موقفها.. كجنة تزرعها بجنانها.. وعقلها.. ولسانها..

تقول: ذهبت الى المشرحة.. أغلقت عيني ولدي.. قبلت يديه وقدميه..

أمّ الشهيد.. شهيدة أكبر..

تعيش بنصف قلب.. ونصف عين ترى على الأرض كل ما لا تشتهي.. ولا ترى من تشتهي رؤيته.. ابنها الملحَدَ في باطن الأرض.. فهل يحلو لها ظهرها..

وتعيش بلا سمع.. بعدما أسكت الموت.. صوت الذي سمعت صرخة حياته الأولى.. ونغناته.. وأوائل حروفه.. «ماما»..

كيف تحيا.. من تتذكر.. بكاءه وضحكه ولعبه وحبوه ومشيته المتعثرة..

كيف تنسى يومه الأول في روضته.. ودفتره وقلمه.. وشخبطاته.. وتهجئته الحروف..

قالت لابنها الشهيد قبل شهادته بأيام: أرني بطنك يا محمد.. فخجل الفتى.. ولكنها أصرت.. وقالت: أتخجل ممن مهدتك صغيرا.. وسكبت على جسدك الغض الطري الصغير الماء ودعكته..

من ألبستك وكستك وأطعمتك..

فيا سموّ الثكلى «كوثر الأربش».. كنت جنة ابنك.. في الدنيا.. وله جنة الله في الآخرة.

*نقلاً عن "الأنباء"

قبل أن تذهب