بوتين صنما
في زيارتي الأولى لدمشق قبل سنوات فوجئت بلافتات كنت أراها في كل مكان كتبت عليها جملة صغيرة واحدة هي “منْحبّكْ”. ولعدم معرفتي باللهجة السورية، فقد كنت استغرب وجود الميم الزائدة التي تتقدم “نحبك”.
لم أكن في حاجة إلى من يشرح لي، وأنا العراقي، لمَن كانت تلك الجملة العاطفية المكتوبة بمختلف أساليب وأنواع الخط موجهة. فالشعب هنا مثلما الشعب هناك يحب قائده.
العرب يحبون قادتهم دائما. وهو أمر مسلّم به تاريخيا. العلاقة بين الشعب وقائده لا تستقيم إلا من خلال الحب. فعن طريق الحب يقضي القائد عمره كله جالسا على كرسي السلطة، لا يغادره إلا إذا أجبره عزرائيل على ذلك.
كان حافظ الأسد وهو الذي عيّنه الشعب زعيما إلى الأبد محظوظا حين مات عن طريق المرض. فكانت ميتته طبيعية. الآخرون لم يرحمهم الحب الزائد.
تنقل المصريون على سبيل المثال بحبهم بين ثلاثة رؤساء. الأول مات مسموما كما يُقال، والثاني قتل على منصة الاستعراض التي كان يحتفل عليها باعتباره بطل العبور، والثالث يحتفي بثمانينه في السجن. كان الثلاثة أبطالا قوميين.
العراقيون هم أيضا قتلوا ثلاثة رؤساء. الأول هو حبيب الفقراء الذي لم يعثر أحد على قبره، والثاني تحطمت به الطائرة ولم يعثر أحد على جثته، والثالث تم نبش قبره غير مرة. كان الثلاثة أبطالا قوميين أيضا، وكان الشعب قد اجتهد في التعبير عن حبهم والثقة بكل ما تجود به عبقرياتهم الفذة.
اليوم ينظر السوريون إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باعتباره بطلا قوميا، وهو ما لا يتعارض مع جملة “منْحبّكْ” التي لا تزال تملأ لافتاتها الشوارع بكل ما تنطوي عليه من سخرية.
كان حزب الله اللبناني قد ملأ ذات مرة الطريق بين مطار رفيق الحريري والعاصمة بيروت بصور مختار العصر نوري المالكي، وتبيّن أن تلك العملية كان المالكي نفسه قد أنفق عليها من أموال الشعب العراقي.
هل يموّل بوتين حملة الغرام السوري به؟
يرى المرء صور الرئيس الروسي في كل مكان من الشام، حتى صارت تنافس صور أبطال العائلة المقدسة. أتوقع أن أصحاب المطابع استفادوا كثيرا من ظهور شخصية جديدة على مسرح الحب الشعبي.
قد يذهب شيء من رذاذ جملة “منحبّك” إلى الرجل الذي قرر إنقاذ سوريا، بعد أن صارت مدنها أثرا بعد عيْن. لن يجد سكان حماة وحلب وحمص وغيرها من المدن السورية المنكوبة جدارا سليما يليق بصورة البطل القومي الجديد. يكفي أن القلوب التي أحبته ستغمر صورته بعاطفتها مثلما تفعل كل لحظة مع صور سلسلة من الأبطال الموتى والأحياء على حد سواء.
عادات الشعب العربي السوري في الحب لا تُقاوم.
شعب عاطفي دمّر بلاده من أجل إلغاء الفقرة الثامنة من الدستور. وإذا ما كان الرئيس بشار الأسد، وهو الآخر بطل قومي، قد سخر من سذاجة شعبه في خطابه الأول بعد أحداث درعا عام 2011، حين أكد أن تلك الفقرة كانت قد ألغيت دون أن يخبر أحد الشعب بذلك، فإن إفراط ذلك الشعب في عاطفته دفعه إلى عدم التراجع عن الهدف الذي وضعه له أصدقاؤه في الغرب، فاختار أن يذهب إلى المخيمات نازحا ولاجئا ومشردا وجائعا ومحروما من سبل العيش الإنساني الكريم.
بوتين هو اليوم قضية السوريين التي يجدون فيها سببا آخر للانقسام بعد أن يئسوا من إمكانية أن يحلوا قضاياهم السابقة التي كانت محل خلافاتهم. جزء أحبه وجزء كرهه وما من أحد نظر إليه باعتباره لاعبا سياسيا في ميدان السباق العالمي للقوى الكبرى، هناك حيث تدار مصائر الشعوب وحيث تُرسم الخرائط وحيث يتم النظر إلى المستقبل بطريقة تجريدية لا علاقة لها بالوضع البشري.
أضاف الشعب السوري صنما جديدا إلى معبدهم العاطفي، ولم ينتبهوا إلى أن ذلك الصنم يمد لهم لسانه.
*نقلا عن صحيفة "العرب" اللندنية.
اختيار المحررين
-
غادة عادل: فكرت في الاعتزال بسبب الفيلر.. وحقن التخسيس غيرت حياتي ثقافة وفن منذ 4 ساعات -
أنماط الحياة ستتغير في مصر خلال شهرين.. مختصون يكشفون السبب مصر منذ 6 ساعات -
يفترس الصقور والطيور ويلتهم محاصيل وفواكه.. طائر غازٍ يهدد المصريين مصر منذ 7 ساعات -
باتفاقية وقّعت عام 1967.. تعهد البشر بعدم وضع أسلحة نووية بالفضاء الأخيرة منذ 7 ساعات