مباشر

من ثورة إسلامية عالمية إلى غزو مذهبي!

بول شاوول
نشر في: آخر تحديث:

عندما قام الضباط الأحرار بانقلابهم العسكري في عام 1952، بقيادة عبد الناصر (وواجهة محمد نجيب) سعوا إلى تحويله ثورة شعبية مصرية وعربية، بمضامين اشتراكية، أحدثت تغييراَ اجتماعياً ودستورياً غير مسبوق في العالم العربي، تحت يافطتين ثقافية وسياسية، من جهة نسف تقاليد الحكم الملكي والاقطاعية والباشوية، وأيديولوجية متمثلة بالعروبة، «ذات الرسالة الخالدة» وكان من ثمار الاثنين الوحدة التي تحققت بين مصر وسوريا، ومدّ شعبي عربي عارم ليتحول عبد الناصر رمزاً للوحدة العربية وكذلك عنواناً للتحرير والتغيير الجذري متأثراً بتجارب المنظومات الاشتراكية. غطاء شعبي أو محاولة وضع أسس مساواة بين الطبقات، واستنهاض «الأمة» العربية.

صحيح أن عبد الناصر حاول تصدير الثورة ولكن ليس بالغزو (خالف هذا المبدأ بتدخله الميداني في اليمن، وكلفه ذلك ما كلفه خصوصاً في نكسة 1967)، وليس بالعسف وانما وإلى حد بالمبادئ الجديدة. ولهذا لم يسمّ أحدٌ ثورة عبد الناصر بالغزو بل بالمد الناصري الذي لبىّ أحلام العرب وتوقهم إلى زعيم «موحد».

على هذا الأساس، لم يكن لهذه الثورة عناوين جانبية، لا شوفينية أو عرقية، ولا طائفية أو مذهبية: فالعروبة خيمة تظلل الجميع بما فيها الأقليات الدينية والإثنية. لكن نتوقف عن طبيعة السلطة الناصرية، التي ألغت الأحزاب لمصلحة الحزب الواحد والتنوع في ممارسة الحكم إلى حكم «الزعيم» الواحد، وما نتج عن ذلك من أخطاء طاولت الحريات الفردية والجماعية وهيمنة أجهزة المخابرات على القضاء والأحكام وحرية التعبير. انه الحزب الواحد، كما كان شائعاً آنئذ في الاتحاد السوياتي ومنظوماته.

إذاً عبد الناصر، وهنا تكمن أهميته، لم يعبث بأوراق الثورة إلا في مجال الحكم وليس الامتداد: صحيح ان نموذجه كان «شرقياً» سوياتياً، لكن هواه وهمه كانا «غربيين». لكن الغرب هو الذي خذله، بانحيازه إلى اسرائيل، مما جعل الولايات المتحدة واوروبا تعلنان عداءهما له. إذاً «أممية اشتراكية» بغطاء عروبي.

وهنا بالذات، يمكن عقد المقارنة بين هذا النظام والثورة الاسلامية الإيرانية. فالخميني نجح مع حلفائه بخلع الشاه بثورة شعبية: غطاؤها إسلامي، وحاول تصديرها إلى العالم: «أممية اسلامية» غير عربية. وكما نسف عبد الناصر البنى الاجتماعية السائدة، هكذا فعل الخميني: تأسيس جمهورية اسلامية، مقابل الجمهوريات الاشتراكية والعروبية. وفي تلك اللحظة بالذات عرف الخميني أن عليه على الأقل مرحلياً عدم الخلط الجزء (الشيعي) بالكل الإسلامي، لأنه، كما يقال، يريد تأسيس «خلافة» جديدة على المسلمين متبنياً بعض عناوين قضاياهم: استرداد فلسطين ومواجهة اسرائيل. بمعنى آخر كأنه أراد ان يرد على العجز العربي في تنكب هذا الدور (بعد نكسة 1967) لينقل مركز الثقل «الجهادي» إلى جمهوريته الاسلامية. من هنا حاول الخميني التحرك على جبهتين، الأولى إبراز الفشل السياسي والعسكري العربي، والثانية التركيز على ضعف «الأيديولوجيا العروبية» بالتصدي للقضايا التحريرية سواء من الاحتلال الإسرائيلي أو من الهيمنة الخارجية. هل كان الخميني على صواب؟ هل كان يناور؟ هل اتخذ «الاسلاموية» (على غير تمييز بين ظواهرها المذهبية، والاثنية والطائفية) كقناع لانتزاع دور الأكثرية السنية واستيعابها بدور شيعي (مذهبي) وفارسي (أيديولوجي).

[ غزو مذهبي

لكن، عندما رحل الخميني، يبدو ان من خلفه، من مؤسسي الجمهورية الاسلامية، أو ولاية الفقيه، استعجلوا تحويل الثورة الاسلامية العالمية، إلى غزو مذهبي. أي شق الصفوف الاسلامية والدخول في تناقضاتها الإقليمية العربية المجاورة. بمعنى آخر العودة إلى «فتنة» الإسلام والسقيف ونكء جروح الماضي ولتحويل الصراع من سياسي إلى ما كان عليه أي فئوي. لكن بعد محطة 1979 محطة أخرى هي انشاء المقاومة الشيعية في الجنوب اللبناني على انقاض المقاومة الفلسطينية (السنية) والمقاومة الوطنية (يسارية وقومية). لكن هذه المقاومة التي اختير حزب الله عنواناً لها، (انشئ في إيران) واجهت العدو المحتل وحررت الجنوب، وكأنما عادت أصداء الخميني: «أي الطابع الاسلامي برغم مذهبيته، لتكتسب هذه المقاومة تعاطفاً «عربياً» إسلامياً، شيعياً، ثقافياً. وكلنا يذكر أن صور السيد حسن نصرالله ارتفعت بين أرجاء العالم العربي كله، من مصر إلى الجزائر إلى تونس، إلى المغرب....

وصولاً إلى قلب الأزهر نفسه، محج السنة، ومركزيتهم. هذا عندما واجه حزب الله اسرائيل. انها المقاومة العربية وإن لم تكن عربية والاسلامية وإن كانت شيعية.

[ التصدير

لكن إيران بدلاً من تعزيز الوجود «الاسلامي» الشامل لثورتها، من خلال دعمها المقاومة الاسلامية، فضّلت تصدير «الثورة» باعتبارها دوراً شيعياً، فارسياً. وقد تجسد ذلك عندما عاد حزب الله بعد تحريره الجنوب إلى الحياة السياسية في لبنان وانكشاف مطامع إيران عبره، بغزو لبنان بالسلاح نفسه الذي قاوم به اسرائيل. السلاح نفسه: سقطت «الأيديولوجيا» الاسلاموية، وعامت الأيديولوجيا المذهبية، وهنا تعزّزت مخاوف العرب والأنظمة العربية عندما أقامت إيران حلفاً مع النظام السوري باعتباره مرتكزاً علوياً... أي شيعياً. وعلى هذا الأساس بدأت ايقاعات الثورة الاسلامية تتلاشى وتضج جوقات المذهبية من ناحية ومعاداة العروبة من ناحية أخرى. وهنا بالذات كشرت دولة الملالي عن أنيابها: اقامة «هلال شيعي«، تيمناً بمشروع «اسرائيل الكبرى» : حكم الأقليات على العرب والسنة. وراح حزبها تنفيذاَ لمخططاتها يدمر الكيان اللبناني ونظامه ودولته واستباحة قوانينه لإفراغه من كل محتواه الدستوري والميثاقي: فلبنان الجديد إما أن يكون شيعياً فارسياً أو لا يكون! أو لا يفسر ذلك غزوة 7 أيار لبيروت والجبل، بقوة السلاح، والاغتيالات، والبطش، والقتل، وتوريط البلد بحروب إيران في المنطقة، أي محاولة عزله عن بيئته الجغرافية، والديموغرافية، والتاريخية، الإسلامية والعروبية، لاستفراسه، لقمة سائغة، وجعله ولاية من ولايات الفقيه؟ ونظن أن تجربة النظامين البعثيين في سوريا والعراق (بعد الغزو الأميركي لهذا الأخير)، قد استُلهمتا: خلع الأقلية السنية في العراق، والإمعان في تحكم الأقلية بالأكثرية في سوريا. فالنظام الأقلوي في سوريا، وتحت شعار مموّه لكن في عمقه مذهبي، تمكن آل الأسد من حكم سوريا بالحديد والنار. ونظن، أن الابتعاد عن الثورة الخمينية (الإسلامية) راح يظهر أكثر فأكثر، ليتخذ منه منحى عنفياً انقلابياً لتغيير الأنظمة العربية، خصوصاً في البلدان ذات الوجود الشيعي فيه (اليمن، البحرين، سوريا، لبنان، العراق، الكويت: خمس دول فقط، غير متصلة فيها الظاهرة الشيعية، اتخذها نظام الملالي منطلقاً، لدفع غزوته «الهلالية»). وقد بدا واضحاً أن مسار ولاية الفقيه التقسيمي أفقده الأرضية التي أراد الخميني أن يتعزز فيها، رافقته طبعاً مسارات المقاومة. فبعدما تحول السلاح الإيراني في لبنان عن إسرائيل، إلى صدور العرب، (أي الأكثرية الساحقة)، سقطت مقاومته (كمقاومة) في ساحات بيروت، وكل المدن العربية، وفي كل ضمائر العرب. بمعنى لم يعد عند ولاية الفقيه ولا حزبها «المقاوم» ولا جماعاتها الحديثة في اليمن، وفي البحرين، والعراق أي غطاء «مجاهد» أو ورقة تين. لم يعد ما يسمى تصدير الثورة، بل تدمير الأمة العربية، بأنظمتها، وأنماط حياتها، وجذورها، ومنابتها، وتاريخها، وحضارتها! ألا تراها المهمة التي عجزت عن تحقيقها إسرائيل ونجحت فيها إيران؟ إذاً، في عيون العرب، باتت دولة الملالي هي إسرائيل الجديدة. حتى أن كثيراً منهم رأى في مخططات إيران تقاطعاً سياسياً مع إسرائيل، بل تحالف سري من المحتمل أن تكون أميركا قد رعته لتدمير الأكثرية السنية العربية. (أوليس هذا ما ظهر في غزوة الأميركان للعراق عام 2003). أكثر: ألا يقال كذلك أن الحلف الإسرائيلي الأميركي الإيراني، هو الذي أبقى بشار الأسد في قصر المهاجرين؟ وأن إسرائيل أعطت الضوء الأخضر لميليشيات الحرس الثوري، وفيلق القدس، ومقاتلي الحزب، بالدفاع، وفي قلب سوريا، عن نظام الأسد، لكي تجهض الربيع العربي، الذي يحتمل، بالنسبة إليهم، أن يعيد «العروبة» بوشائجها، والسنة بأكثريتهم إلى الحكم ويحطم الديكتاتوريات السائدة، ويضعف التدخلات الخارجية لتعميق الصراعات الجانبية غير السياسية؟

[ الانحراف الثوري

إن هذا الانحراف الثوري والإيديولوجي سبق أن وقعت فيه الأحزاب اليسارية في لبنان، كالحزب الشيوعي ومنظمة العمل الشيوعي ومتفرقات البعث، عندما انخرطت، وهي الشاهرة أفكارها العلمانية، في حروب ومعارك طائفية؟ هذا الخروج من الصراع الفكري إلى المذهبي، شوّش منطلقات هذه الأحزاب ونزع عنها دورها التغييري، وأهدافها البعيدة ليغرقها في مستنقعات الصراعات التقسيمية والكانتونية. فالأممية «الشيوعية» ومعها، وبطريقة مختلفة، أممية منظمة التحرير، وعروبية الأحزاب القومية، انخسفت في انجرارها إلى حروب، كان يمكن أن تستفيد منها، وتعزّز أفكارها العلمانية، وتكون الأطراف التي تتمسك بمدنية الصراع، وبعقلانيته، ووطنيته؟ لكن ما يشفع بهذه الأحزاب أنها وضعت يافطة لدخولها في هذه المعتركات هي «عروبة لبنان» (وهي ليست عروبية لا الحزب الشيوعي ولا القومي السوري الاجتماعي...)، واسترجاع فلسطين، بقيادة منظمة التحرير، التي تشققت في فصائل انحرفت ولاءاتها السياسية عن خدمة القضية المركزية. فمن «يا عمال العالم اتحدوا» و»ما العمل»، وأصداء الكومونات الشعبية، إلى ميليشيات الزواريب، والإرتهان لمموليها وعلى رأسهم القذافي وصدام حسين. وهكذا تعرى لبنان من كل السقوف السياسية والفكرية التي يمكن ناسه أن يواجهوا بها المذهبية والدويلات، والكانتونات.

وهكذا وقعت هذه الأحزاب في ما وقعت فيه الثورة الخمينية الإسلامية، التي غيّرت بشكل جذري مساراتها «العالمية» (الخلافة القطبية)، إلى تخريب الدول، وفتح ثغرات فيها لصراعات مذهبية. كرروا بشكل ما التجربة اللبنانية في قلب هذا البلد، وفي اليمن، وفي سوريا، وفي البحرين وفي الكويت: لا أفكار. لا برامج عمل. لا دولة. لا صراع سياسي: بل سيادة الفتنة المذهبية. وكما طحنت الحرب في لبنان كل الأحزاب العلمانية وغير العلمانية، التي شاركت في هذه المؤامرات العنيفة، وأنهت معظمها، فإن ممارسات إيران (وحلفها الجهنمي: إسرائيل أميركا وأخيراً روسيا)، قد أنهكتها، وعزلتها، عربياً، وشعبياً، وها هي تحصد ما زرعته: تراجعت في العراق، وفي لبنان، وسوريا، واليمن، والبحرين، وكبدتها خسائر اقتصادية وبشرية فادحة.

ربما، كان يسعى الخميني إلى حرب دينية مع إسرائيل، أو مع الغرب، لكن خامنئي صالح الشيطان الأكبر وتحالف معه وعقد وشائج مع إسرائيل. وعندها تحولت «الجهادية» إلى عداء للعرب، والسنة، والكيانات العربية. أي سقطت في تفاصيل الصراعات، لا في جوهرها، وفي شتات الحروب لا في صلبها، مما جعلها تستنجد بـ»داعش» لممالأة الغرب، وبالقاعدة لتخويفه، وبالعنف لتحذيره من قلب الطاولات كلها. إنها سياسة الغرقى، أو سياسة الانتحار. فالحرب «الدينية» فشلت، بسبب الديموغرافيات العربية، المذهبية، والقبلية، والعشيرية، والاثنية، ليتحول حلم الخامنئي الكبير بمركزية القيادة (مثل ستالين، أو هتلر، أو عبدالناصر)، إلى مجرد قلاقل مذهبية، بين الشيعة والسنة. ومن هنا نقول لا يمكن أن يكون هذا الصراع الثنائي مشابهاً للحرب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت في القرن السادس عشر والذي سقط فيه ملايين القتلى، لأن الظروف عندنا مختلفة، ولأن الشيعية محدودة ديموغرافياً وحدودياً، وتحركاً، وسياسة.

ماذا تبقى لحزب الله؛ هو ما تبقى لإيران؟ حزب الله تحوّل فصيلاً ميليشيوياً إيرانياً، مأجوراً، (بعد ازدهاره العربي والعالمي) وإيران تحولت مجرد طرف من أطراف الصراع المذهبي!

أي سقطت عند كليهما الهالة الإسلامية العالمية عند الأولى، وهالة المقاومة عند الثاني...

فهل سيؤدي هذا الواقع إلى سلوك «انتحاري عليّ وعلى أعدائي«، عند إيران وحزبها!

بل كأنهما يعيشان فترة ما بعد الانتحار لا قبله!

نقلاً عن "المستقبل"

قبل أن تذهب