المنتصرون المجروحون
الانتصار الكاسح الذي حققه كل من المرشحين لمنصب الرئاسة في الانتخابات التمهيدية في ولاية نيويورك الجمهوري دونالد ترامب والديمقراطية هيلاري كلينتون يتسم بمفارقات عديدة، ليس أقلها الصورة السلبية لكليهما في ذهن شريحة كبيرة من الناخبين، بمن فيهم الذين صوتوا لهما بتردد. المرشح الجمهوري السيناتور تيد كروز، وهو المنافس الرئيسي لترامب، يعاني من المشلكة ذاتها. المرشح الجمهوري الثالث حاكم ولاية أوهايو جون كايسيك يتمتع بصورة إيجابية أكثر في أعين الناخبين الجمهوريين، ولكنه لم يفز إلا بولايته. المهرجانات الانتخابية لهيلاري كلينتون لا تجذب إليها أعدادا كبيرة من الناخبين، بعكس مهرجانات منافسها السيناتور بيرني ساندرز الذي جذب إلى بعض مهرجاناته عشرات الآلاف من الناخبين الشباب المتحمسين.. والحماس الذي يتلقاه ترامب في مهرجاناته لا يخفي حقيقة أن هناك شريحة كبيرة في الحزب الجمهوري تعارض ترشيحه بشراسة.
فوز كلينتون وترامب في نيويورك، يعني أيضا أنهما لم يحسما المعركة لصالحهما حتى في هذا الوقت المتقدم في السباق. وفي معظم الدورات الانتخابية السابقة، يكون السباق محسوما بشكل عام حتى قبل شهر ابريل. وبدلا من أن يبدأ المرشح المتقدم بالتحضير للمؤتمر العام للحزب، ولمعركة الانتخابات العامة، يجد نفسه أو نفسها مضطرا لمواصلة معركة استنزافية لحملته ولحزبه، تكشف ضعفه النسبي وتعمق صورته السلبية التي يعمل منافسه من داخل حزبه على ترسيخها، وهذا ما تعاني منه كلينتون على يد منافسها ساندرز، وهذا ما يعاني منه ترامب على يد منافسه كروز.
وأظهر استطلاع لصحيفة وال ستريت جورنال وشبكة التلفزيون أن بي سي أجري قبل أيام أن 65 بالمئة من الناخبين المسجلين ينظرون نظرة سلبية إلى ترامب، مقابل 24 بالمئة ينظرون إليه نظرة ايجابية. أرقام كلينتون أفضل بعض الشيء ولكنها ليست مشجعة، حيث ينظر إليها 56 بالمئة من الناخبين بنظرة سلبية مقابل 32 بالمئة ينظرون إليها نظرة إيجابية. والسيناتور تيد كروز ليس في وضع أفضل أيضا، حيث ينظر إليه 49 بالمئة من الأميركيين نظرة سلبية، مقابل 26 بالمئة ينظرون إليه نظرة إيجابية.
وتعتبر هذه النظرة السلبية لأكثرية الأميركين للمرشحين المتقدمين، كلينتون وترامب، من أغرب الظواهر الانتخابية في العقود الأخيرة: المرشحان المحتملان للحزبين لمنصب الرئيس في 2016 لا يحظيان بإعجاب أكثرية الشعب الأميركي. الانتخابات العامة قد تؤدي إلى مفارقة أخرى، وإذا افترضنا أن كلينتون سوف تفوز في الانتخابات، فإنها ستكون قد وصلت إلى البيت الأبيض، وأكثرية الأميركيين تنظر إليها نظرة سلبية، وهذا نادرا ما حصل في تاريخ الانتخابات الأميركية.
الانتقادات الشرسة والنعوت النافرة التي يوجهها ترامب إلى منافسه "تيد الكذاب" (وهو الذي تخلص من معظم منافسيه في الأشهر الأخيرة من خلال الإهانات والتخويف) إضافة إلى هجومه المباشر ضد قيادة الحزب الجمهوري واتهامه لها بالتلاعب بالقوانين الانتخابية لحرمانه من تحصيل العدد الكافي من المندوبين للحصول على ترشيح الحزب، سوف تجعل من الصعب إن لم يكن من المستحيل لترامب حتى ولو فاز بالترشيح، لأن يعيد توحيد الحزب لمعركة الانتخابات العامة. وهذه المناوشات المستمرة بين ترامب ومنافسيه ومعارضيه من داخل الحزب، إضافة إلى هفواته وأسلوبه الفظ، تعمق من الصورة السلبية له الموجودة لدى أكثرية الأميركيين.
الصورة السلبية لهيلاري كلينتون لافتة للغاية، وهي صورة كانت ترتفع وتهبط بشكل مستمر خلال حياتها السياسية الطويلة. وحين ترشحت رسميا في ابريل الماضي كانت صورتها الإيجابية أفضل وإن بنسبة ضئيلة مما هي عليه الآن. وما تواجهه كلينتون هو أن هناك نسبة هامة من الناخبين داخل شرائح اجتماعية مختلفة تنظر إليها نظرة سلبية. ففي أوساط الناخبين الرجال البيض على سبيل المثال 72 بالمئة منهم ينظرون إليها نظرة سلبية. وبشكل عام فإن سلبيات كلينتون تزيد عن إيجابياتها بنسبة 24 بالمئة وفقا للاستطلاع ذاته. وهذا يعني أن كلينتون، في حال حصولها على ترشيح الحزب الديمقراطي، وهذا ما هو متوقع فإنها ستكون في وضع ضعيف مقارنة بغيرها من مرشحي الحزب في الدورات السابقة.
الدعوات التي تصدر عن قيادات ديمقراطية للسيناتور بيرني ساندرز، تركز على أن انتقاداته القوية لكلينتون، وتشكيكه بصدقيتها، خاصة عندما ينتقد حصولها على تبرعات مالية كبيرة من المصارف والمؤسسات المالية في وال ستريت، والشركات الكبيرة، وبحكمتها بالنسبة لاتخاذ القرارات الخارجية الهامة مثل دعم غزو العراق والتدخل العسكري في ليبيا، فإنه يساهم بقصد أو دون قصد بإضعافها أمام منافسها الجمهوري.
هيلاري وترامب قد ينجحان في الحصول على ترشيح حزبيهما، ولكن ذلك لن يخف حقيقة أن كلا منهما سيكون منتصرا منهوكا ومجروحا في آن.