مباشر

كلمة في أذن كتبة تقريرنا القادم

لطيفة الشعلان
نشر في: آخر تحديث:

حسب المادة 18 من اتفاقية «سيداو»، يُفترض بالدول الموقعة أن تقدم تقريراً دورياً إلى اللجنة الأممية مرة واحدة على الأقل كل أربع سنوات، يتناول التدابير التشريعية والقضائية والإدارية المتخذة لإنفاذ أحكام الاتفاقية. بالنسبة إلى السعودية، التي صادقت عام 2000 فإنها لم تقدم تقريرها سوى في عام 2007 بشكل جامع لتقريرين معاً. ويبدو أن المجموعة الموكل لها إعداد التقارير الدورية، ستضطر مع تأخر صدور التقرير الثالث، وحلول موعد الرابع، إلى فعل الشيء نفسه، وهو تقديم تقرير جامع. مع ذلك، فإن التأخر في تقديم التقرير الدوري، لا يُعد مشكلة ذات بال، مقارنة بالمشكلات البنيوية العميقة وذات الصلة بالفحوى، التي حفل بها تقريرنا السابق. وهي المشكلات التي استدعت لجنة «سيداو» إلى إثارة 32 مسألة وقضية حول التقرير لا زالت معلقة تنتظر الرد.

بداية، يتضح أن المأزق الأساسي الذي واجه التقرير السابق، تمثل في درجة تأهيل وتمكن الفريق الذي أنجزه. معدو التقرير ظهروا في صورة مجموعة من الهواة، محدودي الخبرة في أساسيات الكتابة العلمية المنهجية، فضلاً عن الكتابة المعيارية التي تتطلبها التقارير الدولية. افتقر التقرير إلى اللغة العلمية الدقيقة، والمؤشرات الكمية والنوعية، وحفل بالمبالغات والتعبيرات الإنشائية، والتوصيفات المخاتلة. كما وقع التقرير في فخ الاستطراد الأيديولوجي الذي لا يحمل قيمة واقعية، فالاتفاقية معنية بقوانين وأنظمة الدول النافذة في واقعها الحاضر، وليس بالمرجعيات التاريخية أو المواريث الدارجة في سالف الأزمان.

كذلك، فإن التقرير لجأ إلى عبارات مثل: «وفق الأنظمة» أو «بما لا يتعارض مع الأنظمة»، وهي عبارات اعتذارية لا مكان لها من الإعراب، لأن المطلوب فعلياً من الدول الأطراف هو المواءمة، بمعنى تعديل أنظمتها الوطنية أو سن تشريعات جديدة للوفاء بأحكام الاتفاقية، وبالتالي تبطل فكرة احتجاج الدول بالقوانين القائمة، لأن عليها أصلاً توضيح المبادرات والسياسات التي تقوم بها في سبيل إلغاء هذه القوانين المنحازة. كما تضعف كثيراً فكرة احتجاج الدول بالأعراف طالما أنها مطالبة بعرض جداول زمنية، وسياسات قابلة للتنفيذ والقياس، لمقاومة هذه الأنماط السائدة، وكل ما سبق لا أثر له في تقريرنا السابق.

علينا أن نعلم أن لا فائدة من إخفاء المعلومات، فلجنة «سيداو» لا تملك إدانة الدول، بل هي تُعبّر فقط بلغتها الأممية الكلاسيكية عن الخشية أو القلق. والأهم من ذلك، أن هذه اللجنة تعرف أكثر مما نتوقع، فهي لا تأخذ بالتقارير الرسمية التي تقدمها الدول وحسب، بل تعتمد أيضاً على فرقها البحثية المدرّبة، وعلى تقارير الظل المقدمة من مؤسسات المجتمع المدني في الدول الأطراف. كذلك لا فائدة من أسلوب القفز على بعض المعلومات، أو تحاشيها كلية وكأنها غير موجودة، لأن ذلك سينتهي بعبارات تقريعية من لجنة «سيداو» إلى كتبة التقرير، مثل قولها: «التزم التقرير الصمت إزاء المنع من قيادة السيارة»!

وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإن إحدى المسائل التي أثارتها لجنة «سيداو» على تقريرنا السابق هو عدم ذكر أي إحصائية عن عدد ونوع القضايا التي نُظرت في المحاكم بناء على أحكام الاتفاقية، التي أصبحت بالمصادقة عليها جزءاً من القوانين الوطنية التي يُحتج بها أمام القضاء. شخصياً أتمنى عدم القفز في التقرير القادم على هذا السؤال، لأن الإجابة جاهزة، وهي: صفر. وأنصح بعدم القفز على أي شيء، والتذكّر مرة تلو مرة، أن التقرير ليس تمريناً في البلاغة الأدبية، فاللجنة استدركت علينا، وتتساءل عن أمور دقيقة تم إغفالها أو التعبير عنها بلاغياً، مثل التخصصات الدراسية التي تُحرم منها الفتيات، ومعدلات العنف ضد المرأة والمحاكمات والإدانات في هذه القضايا، والتدابير المتخذة لتعديل المفاهيم النمطية في المناهج الدراسية بشأن أدوار ومسؤوليات النساء والرجال.

من الإنصاف القول إن هناك بعض السياسات الممتازة، التي تمت خلال السنوات الماضية، بما يصب في الوفاء بنصوص الاتفاقية. هذه المبادرات يفترض أنها ستُعرض في تقريرنا القادم في سياق الخطط الهادفة إلى تعزيز فرص المرأة في المساواة. فعلى سبيل المثال، كان من ضمن المسائل التي أثارتها لجنة «سيداو»، حرمان النساء من التمثيل في مجلس الشورى، ومن المشاركة في الانتخابات البلدية. هذا أصبح اليوم ماضياً، فالنساء ممثلات في مجلس الشورى بكوتا نسبتها 20%، كما شاركنَ في الانتخابات البلدية الماضية وفزنَ بعدد من المقاعد. أيضاً حدثت إصلاحات معقولة طاولت أهلية النساء في فضاء المؤسسة القضائية، وفتح مجالات جديدة للتعليم والعمل أمامهن.

لست مع من يقول إن تحفظنا العام على الاتفاقية قد أفرغها من مضمونها. فهناك مبادرات للوفاء بأحكامها، حتى لو أنها لا تزال دون المأمول بكثير. كما أن مبدأ التصديق في حد ذاته، هو قبول بمبدأ كونية التشريعات الدولية. ولنتذكر بأن جزر القمر مثلاً ليس لها أي تحفظ على الاتفاقية، لكنها لا تطبق شيئاً منها، فالمعنى أن عدم التحفظ لا يعني بالضرورة عزيمة صادقة، أو تفعيلاً مضطرداً لبنود الاتفاقية. إن التحفظات من وجهة نظري مقبولة في مرحلة ما من عمر المصادقة، بالنظر إلى شدة تعقيد الواقع الثقافي في دولنا، بشرط التطبيق المرحلي المقرون بنشر التثقيف بالاتفاقية.

لا بد أن نكون على وعي منة أن تحفظات الدول العربية والإسلامية متشابهة، وهي ترتبط في الغالب بسياق السياسات والثقافات والظروف الراهنة للدول، لا بأحكام الشريعة. فمواد الاتفاقية صيغت بطريقة فضفاضة حتى تستوعب الاختلافات الحضارية بين جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. الهدف من ذكر ذلك، أن يتجه التقرير إلى سرد المعوقات لا الدفاع عنها أو تبريرها. الكويت مثلاً تحفظت ردحاًً من الزمن على المادة السابعة الخاصة بالمشاركة السياسية للمرأة، ثم رفعت التحفظ بعد حصول الكويتيات على هذا الحق. كما أن أهم تحفظ لعدد من الدول العربية، بما فيها دول الخليج، هو التحفظ على الفقرة الثانية من المادة التاسعة، الخاصة بحق المرأة في منح جنسيتها لأطفالها، مع أن الجنسية مصطلح علماني مستجد ظهر مع ظهور الدولة بمفهومها الحديث، ولم ترد فيه أحكام دينية.

من ملاحظات لجنة «سيداو»، عدم تقديم تقريرنا السابق معلومات عن أوضاع المرأة الريفية: تعليمها وعملها وصحتها ومشاركتها في الحياة الاجتماعية. وعدم عرض التدابير المستخدمة لمعالجة الأمية بين النساء. وعدم وجود معلومات إحصائية عن تعزيز استخدام إجازة الأمومة في القطاعين العام والخاص. ونقص المعلومات الموثقة عن أوضاع وحقوق العاملات المنزليات. وغياب المعلومات عن أعداد النساء اللواتي يشغلن مناصب قيادية، والتدابير المتخذة لزيادة مشاركة المرأة في صنع القرار. هذه القضايا وغيرها لا تحمل طابعاً جدلياً، ولا يُفترض بها أن تثير روح الحذر المهيمنة على مفاصل عدة من التقرير. كما أنها قضايا تسندها تدابير وطنية مقبولة أو جيدة. ويمكن جمع معلومات دقيقة حول المنجز وعدم المنجز فيها من دون حساسية.

صفوة القول، أن التقارير العلمية المحكمة والشفافة ليست عملا روتينياً أو بروتوكولياً، بل هي خريطة طريق للدول في خططها الإستراتيجية التراكمية للوفاء بنصوص الاتفاقية. وإطار داخلي للمقارنة المرجعية عبر السنوات. كما أنها تمنح اللجنة الأممية فرصة تقديم ملاحظاتها ومشورتها. طبعا لا مجال للجدال بأن فريق التقرير حتى يؤدي عمله بشكل مقبول لا بد أن يمنحه صاحب القرار هامشاً رحباً من الحرية، في جمع المعلومات والبيانات، والتضمين الدقيق للصعوبات والعوائق، والعرض الصادق الشفاف للسياسات الوطنية المتخذة لإنفاذ أحكام الاتفاقية.
نقلاً عن الحياة

قبل أن تذهب