مباشر

الهند واليابان.. اتفاق نووي وأمني

د. ذِكْرُ الرحمن
نشر في: آخر تحديث:

وقعت الهند واليابان صفقة نووية بعد ست سنوات من المفاوضات. وتفتح الصفقة فصلاً جديداً في العلاقات بين الهند واليابان التي شهدت توترات لفترة من الوقت. فقد كانت اليابان من بين الدول التي فرضت عقوبات اقتصادية ومالية على الهند بعد أن أجرت تجارب نووية عام 1998. ولطالما شعرت اليابان بالقلق من رفض الهند التوقيع على معاهدة حظر الانتشار النووي.

لكن يوم الجمعة الحادي عشر من نوفمبر الجاري، نحى البلدان جانباً الشكوك ووقعا «اتفاق التعاون والاستخدامات السلمية للطاقة النووية». ووضعت الهند الحساسيات اليابانية في الاعتبار، وأكدت الأمن النووي في الاتفاق الذي يتعلق بالاستخدامات السلمية للطاقة النووية المدنية. وبموجب الاتفاق تستطيع اليابان إنهاء الاتفاق إذا أجرت الهند اختباراً نووياً بينما يسمح للهند أن تعيد معالجة الوقود وتخصب اليورانيوم.

ورغم أن اليورانيوم عالي التخصيب الذي يمكن استخدامه لإنتاج أسلحة نووية غير مسموح به من دون موافقة مكتوبة من اليابان فإن الاتفاق النووي جزء من مسعى هندي لتنويع مصادرها في الطاقة ودعم التعاون في مجال الطاقة. ووقعت الهند بالفعل على اتفاقات نووية مشابهة مع الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا والمملكة المتحدة. والاتفاق، وهو الأول الذي تدخل فيه اليابان مع بلد لم يوقع على معاهدة حظر الانتشار النووي، يكشف عن تطور العلاقات بين البلدين إلى شراكة وثيقة في آسيا.

والآن وبعد هذا الاتفاق الياباني الهندي، تستطيع شركات مثل «ويستنجهاوس» وجنرال «إليكتريك» أن تقيم محطات ذرية في الهند. ويفتح الاتفاق المجال أمام طوكيو لإمداد نيودلهي بالوقود والمعدات والتكنولوجيا لإنتاج الطاقة النووية. وهذه هي المرة الأولى التي تبرم فيها اليابان، وهي الدولة الوحيدة في العالم التي تعرضت لهجوم نووي، اتفاقاً مع دولة غير موقعة على معاهدة حظر الانتشار النووي التي تمنع أي دولة، باستثناء الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، من تطوير أو امتلاك سلاح نووي.

والجدير بالذكر أن البلدين عززا تعاونهما في السنوات الأخيرة حين وقعا في ديسمبر عام 2015 اتفاقات بشأن نقل التكنولوجيا والتجهيزات في مجال الدفاع وتبادل المعلومات العسكرية. وجعل رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بعد توليه السلطة تحسين العلاقات مع اليابان من أولوياته. وزعيما البلدين الآسيويين الديمقراطيين بينهما انسجام جيد وهما زعيمان قوميان وهدفهما الرئيس هو دفع النمو الاقتصادي في بلديهما. ويغذي هذا في جانب منه اعتبارات تجارية واقتصادية. فالهند تتطلع إلى الاستثمار في البنية التحتية والتصنيع وتريد شراء طائرات برمائية يابانية الصنع. واليابان تتطلع إلى الهند لتدعم نموها وتزيد مبيعاتها. والصفقة تفتح سوقاً هائلاً أمام صناعة الطاقة النووية اليابانية التي عانت من انتكاسة كبيرة بعد كارثة المفاعل النووي الياباني في فوكوشيما عام 2011 وهذا يتسق مع استراتيجية رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي لتنمية البنية التحتية المعتمدة على التصدير.

وتعزيز العلاقات اليابانية الهندية تزكيه أيضاً أسباب استراتيجية. فقد تقدمت العلاقات بسلاسة في ظل تعاون أكبر في عدد من المجالات المهمة التي يستفيد منها كلا البلدين بسبب قلقهما المتزايد من الأنشطة الصينية المتصاعدة في المنطقة. والهند لديها خلاف حدودي مختمر مع الصين وهي تشعر بالقلق أيضاً من العلاقات المتنامية بين الصين وباكستان. واليابان لديها نزاع على أراض مع الصين في بحر الصين. وصرح كل من «مودي» و«آبي» أن البلدين لن يقتصر عملهما على قضايا تتعلق بالعلاقات الثنائية فحسب، بل تتعلق أيضاً بالقضايا الإقليمية في المحيطين الهادي والهندي. وهذا يظهر بوضوح أن البلدين قررا العمل من كثب في آسيا التي تهدد الهيمنة الصينية فيها توازن القوى.

وفي إشارة واضحة إلى بحر الصين الجنوبي، ركّز البيان الصادر بعد المحادثات بين الزعيمين على تعزيز النظام الدولي القائم على القانون في منطقة المحيطين الهادي والهندي. ودعا البلدان أيضاً إلى التوصل إلى حل سلمي للنزاعات على الأراضي في بحر الصين الجنوبي وتعزيز الالتزام باحترام حرية الملاحة البحرية والطيران الجوي وعدم عرقلة التجارة المشروعة وفقاً لمبادئ القانون الدولي. والبيان وهو الأقوى الذي يصدر عن اليابان والهند، يبين بوضوح اتفاق المصالح بين البلدين في مواجهة القوة المتصاعدة للصين. وتعزز الهند واليابان والولايات المتحدة العلاقات الأمنية من خلال مناورات بحرية ثلاثية لكن شعار «أميركا أولاً» الذي رفعه الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب أثناء حملته الانتخابية أثار مخاوف من تراجع الدور الأميركي في المنطقة مما قد يوطد العلاقات بين «مودي» و«آبي».

وبينما هناك كثير من مجالات التقارب هناك أيضاً عدد من المجالات التي يتعين على البلدين بذل جهد فيها. والتجارة بين الهند واليابان التي تعادل 14.5 مليار دولار بين عامي 2015 و2016 هي أقل من ستة في المئة عما كانت عليه في العام السابق. ويتوقع أن يكون تعزيز التجارة بين البلدين أصعب قليلاً. ويشكو رجال الأعمال والشركات اليابانية من أن الهند لم تقدم التشجيع الكافي على الاستثمار بعد. وما زال هناك عدد من المشكلات مثل ضعف البنية التحتية وانقطاع التيار الكهربائي في مناطق كثيرة من الهند. وبينما يعيش أكثر من 300 مليون نسمة في الهند دون كهرباء، تسعى الصفقة للمساعدة على توفير مصدر مستقر للكهرباء في مناطق واسعة من البلاد. وتستهدف نيودلهي أن تزيد قسط الكهرباء المولدة عن طريق الطاقة النووية من اثنين في المئة حالياً إلى 25 في المئة عام 2050.

نقلاً عن "الاتحاد"

قبل أن تذهب