مباشر

الطربوش التركي vs العمامة الإيرانية

رقية الزميع
نشر في: آخر تحديث:

ازداد عدد الراغبين في تعلم اللغة التركية في المملكة، لا يوجد لذلك دافع سوى السياحة ومتابعة المسلسلات التركية، على الرغم من أن أعداداً قليلة هدفها الالتحاق بالدراسة في الجامعات التركية. اللغة التركية لم تكن خيارا كلغة للأعمال داخليا لكن المد الناعم الذي انتهجته تركيا لما يفوق عشر سنوات آتى ثماره في المنطقة العربية.

لتركيا طموح مشروع في المنطقة العربية، لعب دور سياسي بالتعاون مع دول المحور السني في المنطقة وزيادة التبادل التجاري وتوسيع رقعة استثماراتها، كل ذلك سوف يعود بالرفاه على الشعب التركي.

على النقيض من ذلك تأتي إيران، لديها طموح توسعي شرس بدعم من مؤسسة ثورية حاكمة، تحاول الهيمنة على المنطقة ودعم المد الشيعي في العالم، ازداد رد الفعل في المنطقة حدة، ردا على الفظائع والتدخلات التي يدعمها نظام ملالي إيران في سوريا ولبنان واليمن وغيرها من دول المنطقة والعالم.

منذ إطلاق جوزيف ناي لمفهوم القوة الناعمة كإحدى الأدوات الفاعلة في العلاقات الدولية في العام 1990 بأنها "قدرة الدول على تشكيل تفضيلات الآخر عن طريق الجاذبية، وجعل الآخرين يريدون ما تريد دون إجبار أو إكراه بدون اللجوء للوسائل التقليدية مثل الإرغام بالقوة أو التهديد العسكري أو الضغط الاقتصادي". منذ ظهور هذا المفهوم في العلاقات الدولية تبنى الكثير من الدول نشر سياساتها وبسط نفوذها من خلال أدوات القوة الناعمة.

إيران مقابل تركيا، كلتا الدولتين كغيرهما في المنطقة سعتا لتنحيا منحا ناعما لتوسيع رقعة نفوذهما في المنطقة، ولكن من خلال استخدام أدوات وقنوات سياسية وثقافية وفواعل دولية وغير دولية مختلفة.

منذ قبول ترشيح تركيا لمفاوضات العضوية ضمن الاتحاد الأوروبي في العام 1999 وما تلاه بعد ذلك في العام 2002 من وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة بشخصيات وأجندة سياسية مغايرة عن ما تعارفت عليه السياسة التركية من نفوذ كبير للمؤسسة العسكرية. كدولة علمانية وديمقراطية ذات أغلبية مسلمة، في بداية القرن الحادي والعشرين وبتأثير كبير من العديد من العوامل الداخلية والخارجية بدأت تركيا حملة إصلاحات سياسية في الحقل الديمقراطي وتعزيز حقوق الإنسان وأوضاع الأقليات. كل هذه الاصطلاحات قوضت نفود المؤسسة العسكرية وثبتت قوة مؤسسات المجتمع المدني منعكسة على تطورات في السياسة الخارجية والتي كان الهدف الرئيسي منها المضي قدما بترشيح عضوية تركيا للاتحاد الأوروبي.

كان لأحداث الحادي عشر من سبتمبر تأثير كبير في دفع بوصلة السياسة الخارجية لتركيا من منظور القوة الناعمة ومن خلال موقعها الجيوسياسي وعمقها التاريخي عززت صلاتها بجيرانها في المنطقة لأعلى مستوى، في العام 2009 قاد وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو بناء مقاربة جديدة للسياسة الخارجية في تركيا تعتمد على ما يسمى العمق الاستراتيجي من خلال "سياسة صفر مشاكل" (komsularla sifir problem politikasi) ، مع الدول المجاورة مما انعكس على علاقاتها الخارجية مع الدول المجاورة عبر البعد والقضاء على مشاكلها مع جيرانها أو الحد منها قدر المستطاع والتركيز على بناء علاقات ذات بعد أمني وحوار سياسي وترابط اقتصادي إضافة إلى تناغم حضاري وثقافي وهوية إسلامية سنية، فرضت مماطلة الاتحاد الأوروبي بمنح عضوية لتركيا على الحكومة التركية إيجاد مرافئ سياسية وقنوات دبلوماسية جديدة في المنطقة لتوسيع مجال نفوذها الحيوي والمحافظة على استقرارها الداخلي وعقد تحالفات إقليمية ثنائية ومتعددة، والعمل على أن تكون أحد الفواعل الدولية البارزة في المنطقة لا المتأثر برد الفعل. إضافة إلى رغبتها لزيادة جاذبيتها الاقتصادية.

على الرغم من نفي الكثير من السياسيين الأتراك أن هذا المسعى ليس له جذور للهيمنة من خلال العودة للعثمانية، إلا أن دعائم الدبلوماسية الناعمة لتركيا تنبع من التاريخ المشترك الذي يربطها بالمنطقة والثقافة والهوية المتجانسة والظروف الجيوسياسية التي استدعت من بعض دول المنطقة فتح صفحات سياسية جديدة لصد طموح إيران في المنطقة، وعلى المستوى الدولي تركيا عضو في حلف الناتو وفي المنظمة الإسلامية إضافة إلى وضعها كمراقب في جامعة الدول العربي ومنظمة الاتحاد الإفريقي مما كان له انعكاس إيجابي على التزاماتها الدولية ودورها الإيجابي لتعزيز الاستقرار والتعاون في محيطها الإقليمي، فضلا عن الرغبة بفتح أسواق أوسع لدعم اقتصادها.

بالمقابل يأتي طموح إيران التوسعي، التي لم تألُ جهدا لمد نفوذها والتبشير بثورتها. في العام 2005 أقر النظام الإيراني ما يسمى بالاستراتيجية الإيرانية العشرينية 2005-2025 والتي تعد "أهم وثيقة قومية وطنية بعد الدستور الإيراني" لترسم ملامح وخارطة الطريق المستقبلية للدور الإيراني خلال عشرين عاما، تهدف إلى الريادة الإيرانية في جميع المجالات السياسية والتقنية والثقافية استنادا إلى هويتها الدينية وانطلاقا من مبادئها الثورية وتكون مصدر إلهام في العالم الإسلامي ومن خلال مقاربة تخدم مصالح إيران القومية وسياستها الخارجية.

اقترنت محاولات إيران لتسخير قوتها الناعمة لخدمة طموحها في السيطرة على المنطقة جنبا إلى جنب مع ترسيخ مفهوم الثقافة الفارسية بالتركيز على ما يسمى بحوزة إيران الحضارية أو ما كان يسمى بحدود الإمبراطورية الفارسية، بالإضافة إلى مكوناتها الحضارية كاللغة والأدب ومن خلال حضارة ممتدة تاريخيا وجغرافيا، ومناسبات ثقافية لها حضورها العالمي كعيد النوروز، أيضا لدى إيران نظام سياسي هجين يجمع بين الديمقراطية الصورية والسيطرة المطلقة للمؤسسات الدينية، من خلال تفاعلات سلبية إقليميا تستخدم إيران التشيع السياسي واذكاء البعد الطائفي لتصدير أيدولوجياتها الثورية وخدمة أجندتها التوسعية وتبرير تدخلها في الشؤون الداخلية لجيرانها.

من خلال أدوات وسلوك سياستها الخارجية، تحاول إيران زيادة مساحة تأثيرها الجيوسياسي عبر الاستفادة من الانشقاقات السياسية وتأجيجها لتتحول إلى حروب مذهبية من خلالها تدفع إيران بأحزاب موالية لها لتحقيق استراتيجيتها في المنطقة. التغلغل الإيراني في العراق والتدخل في سوريا بالإضافة إلى دعم الميليشيات في كل من لبنان واليمن، كما تصور نفسها كحامي للمذهب الشيعي وأب روحي للطائفة الشيعية والمدافع عن حقوقها، لخلق توترات داخلية وصبها في قوالب سياسية لتأليب أبناء هذه الطائفة على حكوماتها وزرع أذرعا وكيانات تستطيع من خلالها التغلغل داخليا لبسط نفوذها.

على الرغم من سعي إيران من خلال استخدام القوة الناعمة لفرض نفسها كأحد اللاعبين الدوليين السياسيين في قضايا الشرق الأوسط إلا أن وجودها ككيان سياسي في المنطقة أصبح مصدر توتر وقلق لجميع دول المنطقة، وما أرادت تحقيقه من خلال استخدام مفهوم القوة الناعمة ليس الهدف منه سوى الرغبة بتحقيق أهداف ومصالح توسعية متشعبة تهدف من خلالها لشق الصف العربي وتهديد الأمن والسلم الإقليمي والداخلي بين دول المنطقة.

لا شك أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر أحد أهم المنعطفات في العلاقات الدولية في التاريخ المعاصر. الكثير من الدول عملت على إيجاد مقاربات سياسية مغايرة لما كان عليه قبل 2001.. تركيا وإيران نموذجان سياسيان لكن لكل منهما أهداف وأدوات متباينة، وبالتالي فما يترتب على تلك السياسات من نتائج أيضا غير متشابهة. تعد الرؤية التركية أحد أكثر الأمثلة نجاحاً لتوظيف أدوات الدبلوماسية الناعمة لتحقيق التكامل والتعاون السياسي والأمني والاقتصادي والثقافي بما لا يتعارض مع مصالح الدول الأخرى. تعد القيم السياسية بالإضافة إلى التأثير الثقافي أقوى مصادر وأدوات القوة الناعمة وفي حال حملت نوايا حسنة مقرونة بمراعاة حسن الجوار والتفاعل الإيجابي الحضاري عبر مد جسور الثقافة والفن والحوار والتركيز على دعم أوجه التقارب المشتركة بين الشعوب والحكومات ومن خلال التعاون الإقليمي والدولي عبر العضويات الفاعلة مع المؤسسات الدولية هو ما تحتاجه منطقتنا المثقلة بالتوترات السياسية والمشاكل الاقتصادية.

دأب معالي وزير الخارجية عادل الجبير على التأكيد على أن على إيران أن "تختار إما أن تكون ثورة تقوم على الشعارات، ولا تعرف الحدود الوطنية، أو دولة وطنية يمكن الحديث معها". يجب على إيران الكف عن دعم الإرهاب وأن تفتح صفحة جديدة في علاقاتها مع جيرانها تقوم على احترام مبادئ القانون الدولي واحترام سيادة الدول وحسن الجوار. لا يمكن لمسلك إيران المذهبي الذي أبلغ ما يوصف بالبلطجة السياسية والمبني على بث الفتن وزعزعة أمن دول الجوار أن يقابل بالصبر والتجاهل، أن التركيز على بناء تكتلات سياسية واستمرار التعاون المشترك بين الحلفاء في المنطقة سوف يكون له أبلغ الأثر بردعها وكف شرورها.

قبل أن تذهب