مباشر

اللاجئون الأفغان.. تهديد لأوروبا

عبد الله المدني
نشر في: آخر تحديث:

يحار المراقب في فهم العلاقات الثنائية بين أنقرة وطهران وكيفية وصفها. فالبلدان يقفان على طرفي نقيض، سواء لجهة أسلوب الحكم أو أشكال علاقاتهما الخارجية مع الأطراف الدولية والإقليمية، ناهيك عن اختلاف توجهاتهما الأيديولوجية. فتركيا تتبنى علناً النهج العلماني فيما هي ماضية على قدم وساق لأسلمة المجتمع، وخصوصاً منذ سيطرة «حزب العدالة والتنمية» الإسلامي على الحكم. أما إيران فمنذ انقلابها المشؤوم على نظام الشاه تخضع لسيطرة حفنة من المعممين المؤمنين بفكرة ولاية الفقيه الذي لا يسأل عما يفعل باعتباره نائب الإمام المعصوم، ويديرون البلاد بالحديد والنار تحت حماية حرسهم الثوري المؤدلج.

وعلى حين تروج أنقرة لنفسها كحامية للعرب السُّنة، أملاً في استعادة أمجادها العثمانية، فتتقرب من بعض الأنظمة العربية وتدافع عنها في مواجهة التغول الإيراني الطائفي، تحاول طهران جاهدة الهيمنة على خيارات المعتنقين للمذهب الشيعي والتحدث باسمهم وانتزاع ولائهم لأوطانهم الأصلية وتحرضهم ضد حكوماتهم الشرعية، على النحو الذي لم يعد خافياً على أحد. ومن حيث مواقفهما من القوى العالمية نجد أن تركيا باتت في الفترة الأخيرة أقرب إلى المواقف الإيرانية المتشنجة تجاه الغرب، وإنْ اختلفت الأسباب والحيثيات. وعليه لم يبق من المشتركات بينهما سوى معاداة النظام المصري وقمع المعارضة الداخلية، تأميناً للبقاء في السلطة. ولكل هذه الأسباب يبدو واضحاً عدم استقرار علاقات البلدين البينية على خط ثابت وواضح منذ قيام الثورة الخمينية، وتحديداً في السنوات الأخيرة التي شهدت اندلاع الحرائق في أكثر من بلد مجاور لهما وتصادم وجهات النظر بينهما حول طريقة إطفائها، على الرغم من ارتياح طهران لوجود حزب حاكم في أنقرة مثل «حزب التنمية والعدالة» ذي التوجهات الإخوانية.

المعروف أن العنوان الراسخ للعلاقات الإيرانية التركية قبل عام 1979 كان التعاون والتفاهم والتحالف الوثيق مع الغرب ممثلاً في أحلافه ومنظوماته العسكرية (حلف الناتو وحلف بغداد وحلف السينتو)، مع شيء من الخلافات المستترة حول الحدود ومصالح كل طرف في العراق الذي شكل نقطة خلاف جوهرية بينهما منذ مطلع القرن العشرين. وحتى بعد سقوط حلف بغداد بخروج العراق منه في عام 1958، سارع الأتراك والإيرانيون إلى تأسيس نمط مشابه من التحالف والتعاون مع ضم الباكستانيين إليهم في ما عُرف باسم «مجلس التعاون الإقليمي للتنمية»، لكن الصراعات المستترة ظلت باقية يؤججها من حين إلى آخر تنافس كل منهما على مواقع النفوذ في الشرق الأوسط أولاً، ثم تنافسهما على النفوذ في آسيا الوسطى بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.

لاحظ المراقبون في الفترة الأخيرة أن أكثر من اجتماع عقد بين مسؤولي البلدين على مستوى القمة، لكن ما إن تنفض الاجتماعات حتى تقع حالات من التلاسن والاتهامات يعقبها استدعاء كل طرف السفير لدى الطرف الآخر للاحتجاج، مع خروج تصريحات إيرانية تذكر الأتراك بوقوف طهران إلى جانب أنقرة في محاولة الانقلاب الفاشلة ضد نظام أردوغان في يوليو 2016، وخروج تصريحات تركية في المقابل تذكر الإيرانيين بأفضال أنقرة عليهم في سنوات الحرب العراقية الإيرانية والعقوبات الدولية حينما كانت تركيا المنفذ الوحيد لإيران نحو الخارج. في كل هذه الحالات كان سيد الخلاف هو مواقف البلدين المتضاربة من الملفين السوري والعراقي وتداعياتهما، حيث سجل عن الرئيس التركي أردوغان، وصفه لسياسات طهران في سوريا والعراق بأنها تهز الاستقرار، وتسعى للتمدد ونشر التشيع وتغذية الطائفية. ويقال إن من بين المسائل الأخرى التي تساهم في تلبد الغيوم في سماء علاقات البلدين من وقت إلى آخر، مخاوف أنقرة من القوة النووية الإيرانية تحت التأسيس، ومخاوف طهران من عضوية تركيا في حلف «الناتو»، ناهيك عن مخاوفها من وجود قواعد أميركية وإسرائيلية على الأراضي التركية.

لن ندخل في سرد تفاصيل حالات التلاسن والاتهامات بين الجانبين لكثرتها وتعدد الشخصيات الرسمية المتورطة فيها، ونحصر بالتالي حديثنا في الاتهامات التي وجهها مؤخراً نائب رئيس الحكومة التركية «ويسي كايناك» لطهران، والتي احتجت الأخيرة عليها كالعادة ووصفتها بالتصريحات غير المسؤولة والمغلوطة الهادفة إلى تحقيق أغراض سياسية، وكما يحدث في مثل هذه المواقف خرج «كايناك» في اليوم التالي ليرطب الأجواء ويقول إن أقواله أخرجت عن سياقها وجرى تحريفها من قبل وسائل الإعلام. فماذا قال المسؤول التركي يا ترى؟

صحيح أن أعداداً كبيرة من الأفغان يطمحون في الهجرة إلى الخارج تخلصاً من الأوضاع المأساوية التي تعيشها بلادهم المنكوبة بالحروب والإرهاب، لكننا لم نسمع، قبل تصريح «كايناك» أن ثلاثة ملايين أفغاني يستعدون للهجرة إلى أوروبا عبر الأراضي الإيرانية ثم التركية. وعلى حين ذكر «كانياك» أن طهران سوف تغض الطرف عن ذلك (هذا تحديداً ما أثار الإيرانيين وجعلهم يدعون الأتراك إلى «عدم إقحام القضايا الإنسانية في الصراعات السياسية») فإنه لم يأتِ على ذكر كيفية تصرف بلاده مع المهاجرين الأفغان المزعومين، واكتفى بدعوة الأوروبيين إلى الحوار مع تركيا حول الموضوع، الأمر الذي فسره مراقبون كثر بـ«ابتزاز تركي جديد لأوروبا» منطوقه تعالوا وتعاونوا معنا، وإلا فسوف نغض نحن الطرف أيضاً عن مرور الأفغان إلى بلادكم. وبطبيعة الحال يقرأ المرء في ثنايا هذه الدعوة مبادرة من أنقرة لترميم ما أفسده رئيسها أردوغان حينما نعت مؤخراً حكومات دول أوروبية رئيسية بالنازية، فقط لأنها لم تسمح له بإقامة مهرجانات دعائية في أوساط المهاجرين الأتراك لصالح تعديلات دستورية ينوي تمريرها كي يصبح سلطاناً جديداً لبلاد الأناضول.

*نقلاً عن "الاتحاد"

قبل أن تذهب