موطني.. ياهَناك في عُلاك.. قاهراً عِداك
لا أرق من تلك الابيات لتصف الفخر بالوطن كتبها مبدع فلسطين الراحل إبراهيم طوقان ولا أبلغ منها لوصف الاعتزاز بموطني ارض الحرمين الشريفين وقيادتها التي وحدت صف المسلمين والعرب والاشقاء لينعم الجميع بالامن والسلام والرخاء.
الزيارة التاريخية للرئيس الأمريكي وما صاحبها من توثيق علاقة الشريكين التاريخين والتاكيد على شراكة استمرت لسبعة عقود من خلال عقد قمة ثنائية «سعودية - أمريكية»، وأخرى «خليجية - أمريكية»، وثالثة «عربية - إسلامية - أمريكية»، صاحبت هذه القمم فعاليات كبرى، منها افتتاح المركز العالمي لمكافحة التطرف (اعتدال)، إضافة الى التأكيد على العديد من القضايا المهمة كاستعادة أمريكا لدورها في الشرق الأوسط والتأكيد على مكانة المملكة الإقليمية والإسلامية والدولية في منطقة الشرق الأوسط والعالم وصدارتها في أولويات السياسة الخارجية الامريكية كحليف تاريخي واستراتيجي والتصدي الى التدخلات الايرانية لزعزعة امن دول المنطقة.
تحدد الدول علاقاتها مع نظيراتها الأخرى من خلال أنماط العلاقات الدولية ونطاقاتها وطبيعتها من خلال مفاهيم كالشراكة والتحالف او العلاقات الثنائية – على صعيد آخر عندما تصف دولتان علاقاتهما بأنها استراتيجية، فإن روابطهما تعتبر أنها ارتفعت إلى مستوى جديد وهو ماعبر عنه اختيار الرئيس الأمريكي دونالد ترومب للمملكة كأول وجهة خارجية له مؤكدا بأن المملكة والولايات المتحدة تربطهما علاقات خاصة الى ماهو ابعد من علاقة ثنائية خاصة بل حلفاء وشركاء استراتيجيين.
العلاقة الثنائية هي العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية والتي تحكمها المعاهدات الدولية والاتفاقيات الموقعة بين البلدين واحترام سيادة كل منهما، تهدف في وجه العموم للحفاظ على استمرار العلاقات بشكل طبيعي دون ان يتأثر بعوامل قد تعكر صفو تلك العلاقة. هذا النوع من العلاقات بين الدول لا يمكن تسميتهما شركاء استراتيجيين؛ بيد أن التفاعل الطويل الأجل القائم على عوامل سياسية واقتصادية ودفاعية وتكنولوجية وتاريخية بين بلدين وماينتج عن ذلك التحالف والمعاهدة هو مايوفر الفرصة أن تصبح علاقة استراتيجية، شريطة أن يعلن الطرفان ذلك لانها علاقة تقوم على الوثائق الرسمية والمعاهدات الإلزامية لكلا الطرفين الموقعين، كما من المستبعد جدا أن تصبح بلدان معادية وشركاء استراتيجيين في نفس الوقت.
العلاقة الاستراتيجية "هي واحدة من أكثر العبارات استخداما في مناقشات السياسة الخارجية اليوم. العلاقة بين دولتين توجد لديهما رؤية طويلة الأجل بشأن تأمين احتياجات كل منهما، مقترنة بتقارب المصالح الاستراتيجية. وفي حين قد يكون هناك العديد من الطرق لتفسير هذا المفهوم، لكن استخدامه في الدبلوماسية الدولية واضح إلى حد ما: فهو يحدد العلاقة الثنائية الاكثر أهمية من غيرها، ولكنه لا يقتصر على تحالف فعلي آني فقط بل يتعدى ذلك الى تقارب المصالح وتعزيز العلاقة في المستقبل في مجالات حيوية كالأمن والدفاع والاستثمار كما انه يغطي نطاقا واسعا في العلاقات الثنائية، تبدأ من الانسجام والتوافق في المواقف العديد السياسية الى الدفاع و التعليم والصحة والعلاقات الاقتصادية، بما في ذلك التجارة والاستثمار من خلال تحقيق الأهداف المشتركة.
شرط مهم يكفي لاستدعاء علاقة شراكة استراتيجية هو وجود تعاون حقيقي ممتد تاريخيا بين الطرفين واسهامها في المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية لكليمها ضمن رؤية طويلة الأجل لتحقيق احتياجات ثنائية وأولويات واحدة مقترنة بتقارب المصالح الاستراتيجية يتم التعبير عنها بطريقة متساوية أو مماثلة عبر علاقات خاصة تشكل نقطة الانطلاق ولا مفر من أن يمتلك الشرکاء اقتناعا بأن الجمع بين الجهود والتعاون يزيد من فرص تنفيذ تلك الأهداف ومن ناحية أخرى تكريس المزيد من المساحة للطرف الثاني كأولوية مقارنة بما هو مخصص لشركاء اخرين. ولا يقل أهمية بالنسبة لهذه الأطراف استبعاد ان يكون لهما مصالح متناقضة تماما، ولا سيما تلك المصالح التي تعتبر حاسمة من وجهة نظر الشركاء.
لدى المملكة العديد من اتفاقات الشراكة الاستراتيجية مع كثير من الدول. وينظر إلى ذلك على أنه نتيجة طبيعية لمكانة المملكة على المسرح العالمي كقوة سياسية متنامية الصعود وقيمها المشتركة مع العالم؛ والاعتراف بقوتها الاقتصادية كأحد اقوى الاقتصاديات في العالم. لم تكن العلاقات بين المملكة والولايات المتحدة منذ اللحظة التي بدأت علاقات ثنائية تأخذ منحا عاديا بل قامت على أسس من الشراكة الاستراتيجية لكلا البلدين. القمة السعودية الامريكية في الرياض رسخت مفهوم الشراكات الاستراتيجية بين الحلفاء من خلال عدة اوجه.
في المقام الأول اظهرت القمة التفرد والعمق والقوة على كل المستويات، الذي اتضح بشكل رئيسي في العدد الكبير من الاجتماعات الرفيعة المستوى و ماصاحب ذلك من توجيهات للمسؤولين في حكومتي البلدين بوضع الالية المناسبة للمضي قدما في تنفيذ الشراكة الاستراتيجية للقرن الحادي والعشرين بين المملكة والولايات المتحدة، واللقاءات الاقتصادية والثنائية التي صاحبت الزيارة والتي توجت بتوقيع حزمة من الاتفاقيات بمليارات الدولارات. ومما له نفس القدر من الأهمية دعم العلاقات الاقتصادية، والذي شمل رفع التبادل التجاري والتعاون الاستثماري، وإزالة أي حدود للوصول إلى السوق الوطنية للشريكين من خلال الإعلان عن توقيع مذكرة تفاهم لمساهمة صندوق الاستثمارات العامة السعودي بالشراكة مع بلاكستون للاستثمار في مشروعات البنية التحتية في الولايات المتحدة، وعقد في الرياض المنتدى الاقتصادي الأمريكي السعودي للرؤساء التنفيذيين، بحضور أكبر تسعين شركة أمريكية وسعودية، وتأسيس شركة الصناعات العسكرية في السعودية وتراخيص استثمارات لعدد من أكبر الشركات الامريكية في المملكة واتفاقيات في مجالات الاستثمار والطاقة ومذكرة تفاهم بين الشركة السعودية لتقنية المعلومات وشركة "أبل" الأمريكية ومن خلال توقيع مجموعة "جنرال إلكتريك" وحدها حزمة من الصفقات بقيمة 15 مليار دولار تراوحت بين قطاعات الكهرباء والرعاية الصحية إلى صناعة النفط والغاز والتعدين وغيرها.
وفي المقام الثاني، إضفاء الطابع المؤسسي المتقدم من خلال المواقف المتقاربة والعلاقات المتبادلة بين الشريكين، سواء على المستوى السياسي او الاقتصادي والعسكري ما برهن على الأرضية المشتركة التي توفر استمرارية العلاقة على المدى الطويل، من خلال إنشاء الهيئات المشتركة، والوحدات العسكرية، وتسوية آليات التشاور العادية ظهر ذلك في القمة من خلال توقيع اتفاقيات دفاعية بقيمة 460 مليار دولار، بالإضافة إلى صفقات تعاون دفاعي على مدى عشر سنوات أضف لذلك اتفاقية لتصنيع عدد من مروحيات الهجومية في المملكة. جنبا الى جنب مع توسيع التعاون في المجال الأمني لمواجهة التحديات الإقليمية وتعزيز قدرات المملكة في مجال مكافحة الإرهاب ومواجهة التطرف والجهود المشتركة لمواجهة القاعدة وداعش وزيادة التبادل الثقافي والتعليمي.
يمكن تحديد سمات أساسية نتجت عن القمة التاريخية منها المضي بطابع الشراكة المميز والاستراتيجي للعلاقة، وزيادة التقارب بين الأهداف الاستراتيجية للحليفين التاريخيين، والتأكيد على اصالة وطول اجل التعاون وتهيئة بنية تحتية متطورة جدا للعلاقات والجو الايجابي للعلاقات الثنائية المتميزة والايمان باهمية تظافر الجهود لتنفيذ الاهداف المشتركة.
خلاصة القول، إن تأكيد الشراكة الاستراتيجية، وهي نوع ارفع نوعيا من العلاقات الثنائية، هي استجابة لتحديات العلاقات الدولية (التي فرضتها العولمة ونهاية الحرب الباردة) وهي أداة مهمه للسياسة الخارجية للدول تجمع بين كل من المتانة والمرونة والتقارب العميق على أعلى المستويات لخلق جبهات موحدة لمواجهة القضايا الملحة العالمية، تجسدت تلك المفاهيم من خلال القمة السعودية الامريكية والقمم المصاحبة لها ومانتج عنها من خطوات مهمة للمضي في رؤية المملكة 2030 من خلال تعزيز مكانة المملكة عربيا واسلاميا وعالميا وتنويع مصادر الاقتصاد للرقي بجودة حياة المواطنين.