مباشر

الفرق بين الصابون والشوربة؟

محمد الرميحي
نشر في: آخر تحديث:

قال صديقى متى يمكن لنا أن نتقدم نحن العرب ونلحق بركب تلك الدول المتقدمة أو حتى التي فى طريقها للتقدم؟ قلت ذلك سؤال افتراضي، ولكن عندما نعرف الفرق بين الصابون والشوربة!، يمكن لنا بعد ذلك أن نقول إننا فى الطريق أو بدايته لتعليم حقيقي؟ قال لم افهم، قلت، انتشر بين كثيرين فى الأيام القليلة الماضية شريط فيديو صغير على وسائل التواصل الاجتماعى يظهر أحدهم محتجا بشدة على شركة توزع نوعا من الشوربة فى نظره، وقد أبان تلك العبوة للجميع، وأخذ فى إذابة الشوربة تلك فى ماء ساخن ، فلم تظهر إلا رغوة شبه داكنة، وقد تكون سامة، و حمل على تلك الشركة والغش المنتشر فى المجتمع، وكال لها الشتائم والاهانات، ولكن لم يتبين الرجل ذاك أنه بجهله مابين يديه فلم يفرق بين الكلمة المكتوبة على مغلف المنتج وكانت soap واعتبرها soup اى أنه خلط بين الصابون والشوربة وهذا نوع من الجهل المركب ينتشر بأشكال مختلفة فى الفهم والمعرفة والتدقيق بيننا ولخريجى مدارسنا! اما المثل الاخر الذى اريد أن أضربه فهو قول رئيس شركة جوجل العالمية فى مؤتمر عقد اخيرا فى الصين، قال نحن نعمل و ننتج فى الصين لا لسبب رخص اليد العاملة الصينية كما يعتقد البعص، ذلك خطأ، فنحن ندفع لعمالنا الفنيين نفس الأجور التى تدفع فى اماكن أخرى ، نحن هنا بسبب توفر المعرفة الفنية لدى العمال الصينيين، ثم ضرب مثالا على ذلك، فقال : لو أردت متخصصين من العاملين فى هندسة الكمبيوتر، لربما وجدت فى الولايات المتحدة عددا يكاد بالكثير يملئ هذه الحجرة فى استوديو التسجيل، ولكن لو اردت مثلهم فى الصين، فسوف أجد اناسا يمكن ان يحتلوا ملعبا لكرة القدم!. قلت لصاحبى هل فهمت قصدى الآن؟ انه جودة التعليم ثم التعليم، ليس الكمى لكن الكيفي.

نحن فى البلاد العربية منذ القس دانلوب (الشخص البريطانى متوسط التعليم الذى اسس ما عرف بالتعليم الحديث فى مصر 1889، وعلى منواله فى معظم الدول العربية) لم نعرف ان ذلك الطريق الذى ابتدعه السيد دانلوب فى التعليم محدود، يُعنى فقط بتخريج موظفين للحكومة ( وقتها حكومة الاستعمار البريطانى التى يحتاج الى موظفين محدودى التعليم)! وهكذا سرنا فى تجارب التعليم فى معظم الدول العربية على ذلك المنوال. لم نتوقف للحظة لنسأل لماذا جامعاتنا لا تنتج المعرفة؟ ولماذا شعوبنا تسير وراء أول مطبل يأخذ من العرق أو الدين أو الطائفة شعارا له؟ لماذ تخترق عقولنا مقولات الخرافة بسهولة، و نميل الى التطير بدلا من التطبب، ويتبع شبابنا صيحات المرجفين بسهولة ويسر؟ أو لماذا لا تكون جامعتنا مكانا للاختراعات؟ بل إن جامعاتنا لا تنتج من البحث العلمى الرصين الا أقله، ويكثر بين شعوبنا نسبيا المنجمون وضاربو الودع، ذلك كله بسبب تردى التعليم ومنهجه التلقيني، الذى تجعل من البعض لا يفرق بين الصابون وبين الشوربة. كثيرون منا يعرف ان التعليم الجيد، هو مفتاح التقدم،ولكننا فى النهاية نلجأ الى الشهادات المضروبة، والى الأساتذة المنهكين فى التدريس وقلة الإنتاج، والمتميزون منهم يعانون من وقلة الدخل، وإلى نظام تعليمى من الاسفل الى الاعلى خاطئ تماما فى التوجه والهدف وطريقة التنفيذ أصبحت تجارب التعليم وتفرعاته عملا تهتم به الحكومات والشعوب الاخرى على مستوى رفيع، لأنه مفتاح التقدم أو التأخر.

الانطلاقة الأولى لإصلاح منظومة التربية والتعليم تستدعى معرفة مواطن الخلل التى تعانى منها تجربتنا العربية فى أركانها الأساسية (القوانين واللوائح، الهيئة التدريسية، الترسانة الكبيرة من مخرجات التعليم نوع التخصصات، العبء التدريسى والقدرة البحثية والاستقلالية)، ولا يمكن أن نحقق النتائج المنشودة من سوية تعليمية منشودة ما لم توضع الإستراتيجية التعليمية المتماسكة والمحترفة على مستوى الدولة التى تصلح الاختلالات التى ظهرت فى المسيرة العربية للتعليم، وترسم خارطة طريق المستقبل المرغوب، فما هو معروف أن الدول العربية تولى حقل التعليم أهمية خاصة شكلا وترصد الميزانيات، إن حسبنا الموارد المالية المخصصة، كل ذلك يذهب عبثا لفشله فى خلق رأس مال بشرى يحافظ على تنمية مستدامة؟ يطرح سؤال ما الذى حصل لتكون تصنيفاتنا ومواقعنا فى الترتيبات العالمية متأخرة ومتدنية وفى قوائم تصنيف المنظمات الدولية المعنية فى هذا المجال بين دول العالم؟ لاسيما إذا ما عرفنا أن هناك من يسبقنا فى الترتيب من دول العالم رغم أن إمكانات بعضها المالية والإنفاقية متواضعة على التعليم، السبب هو أن اولوية التعليم لديهم هى اولوية دولة، وتسخر لها الموارد، وتُبنى لها المؤسسات، على أساس انها جزء لا يتجزأ من الأمن الوطني، ولدينا التكوين المعرفى مخترق، كان ولا يزال يتفاقم الاختراق، حتى تشوهت العملية التعليمية برمتها، فهل من مستجيب؟.

* نقلاً عن "الأهرام"

قبل أن تذهب