العناوين الكبيرة والوعي المستعاد
منذ عقدين وأكثر ما عاد بوسع أحد منا نحن العرب أن يذكر عنواناً كبيراً أو شعاراً في كلام أو كتابة. إذ إن ذلك يمكن، بل هو محقَّق أن يجلب عليه سخرية أو استنكاراً من الحضور. وقد يصل الأمر إلى الشتيمة إذا حاول المتكلم أن يدافع عن استعماله لهذا المصطلح أو الشعار أو ذاك، من مرحلة سابقة أو من الأزمنة الكلاسيكية. كان هناك من سمى المرحلة التي انقضت بالمرحلة القومية. وقد يصح هذا الاصطلاح أو لا يصح. لكنها بالتأكيد كانت أكثر من ذلك، أو أنّ البيئة النهضوية التي انطلقت منها في الأصل، جعلتْها مرتبطةً بعدة أمور منها الاستقلال السياسي والثقافي، ومنها العروبة، ومنها الدولة العصرية، ومنها التقدم والتنمية، ومنها الحداثة الاجتماعية، واللغة الجديدة.. إلخ.
إنّ هذه المفاهيم والمصطلحات والشعارات ما خابت جميعاً بالطبع خلال الفترة القصيرة التي طُرحت فيها أو تبنتْها النُخَبُ التي شارك بعضها في بناء اللغة والثقافة الحديثة. وناضل البعض الآخر منها ضد الاستعمار، ومن أجل بناء الدولة الوطنية العربية. فالاستقلال تحقق أو تحقّقت مقادير منه. والدول الوطنية ذات الأيديولوجيا العروبية ظهرت وتطورت بعض مؤسساتها، وكانت في عقود النشأة ذات شعبية معتبرةٍ، وما تزال بعضها على ذلك حتى اليوم. ويمكن أن نمضي قُدُماً في وصف ما أُنجز وما تحقّق خلال سبعين عاماً الأخيرة، وأهمها أنه لا وطن إلا بدولةٍ أو كيان سياسي، وأنّ هذه الكيانات وإن تعددت لا تُضرُّ بالمشروع العربي إذا برزت طليعةٌ منها تقود المشروع، وتُعنى من خلال الجامعة العربية أو في تعاوُنٍ ثُنائي أو ثلاثي من أجل صون المصالح المشتركة للأمة ورعايتها. وأعان في ذلك أو عليه ظهور لغة ثقافية مشتركة، وأُخرى سياسية مشتركة أيضاً.
وكما لا يعيّن عاملٌ واحدٌ الانتكاسات الكبرى، فكذلك لا يمكن تعليل التراجع الكبير في المشروع بانفصام الوحدة بين مصر وسوريا (1961) ولا بهزيمة عام 1967 أمام إسرائيل. وأُضيفت لذلك عوامل الصراع على الزعامة بعد مصر بين العراق وسوريا. ثم كان هذا الانفصام بين المثقفين وأنظمة الحكم والشارع. إذ اكتفوا بالدعوة والعمل على ضرب الموروث الثقافي والديني باعتبارهما عقبةً في سبيل بلوغ التقدم.
وإلى ذلك جاءت السياسات الدولية لتفرغ الشعارات من مضمونها. كانت الولايات المتحدة في النصف الثاني من الثمانينيات قد سلكت أسلوب المواجهة مع الاتحاد السوفييتي من أجل إسقاطه: من حرب النجوم وإلى شن الحرب انطلاقاً من أفغانستان، والانفراد بالهيمنة. وإلى حرب أفغانستان انضمت الحرب على العراق عقب اندفاعه لاحتلال الكويت، فكانت القاضية على المشروع العربي المتصدع عبر عقدين وأكثر.
ولا شك أنّ الهول الذي بدأ بالحرب العراقية الإيرانية، ما تزال حلقاته تتتابع. إنما السؤال هنا ليس عن الأهوال، وإنما عن البدائل وإمكانياتها. لا يكفي الاستمرار في رثاء النفس وشتمها والتحقير للذات إلى جانب ما يفعله العالم كله، ويفعله الفرس والترك!
نقول إنّ ما يحدث منذ مدة مهول وهائل. وقد فشل المشروع العربي في مرحلته الأولى، لكن لا بديل عنه، لا بديل عن تجديد تجربة الدولة الوطنية والعربية. ولا بديل عن عمل عربي مشترك لاستنقاذ ليبيا والعراق وسوريا ولبنان واليمن! لكنّ هذا لا يعني أن شعوب تلك الدول والبلدان لا تقاوم، فهي تفعل ذلك، وعلى رأسها الشعب الفلسطيني الذي ناضل الصهيونية على مدى مائة عام.
الانتقاد جائز بل ضروري. لكن دعاة تجديد المشروع العربي لا يستحقون اللوم ولا الشتم. أما آليات التجربة ومناهجها وإدارتها وأبطالها، فكل ذلك لا يمكن ولا يصح تكراره. هناك هذه القوة الدافعة في الشباب، والتي تجدد وتتجرب كل يومٍ في فلسطين وسوريا وغيرهما. وهم الكفيلون وسط الظروف الجديدة بتجديد التجربة وقيادتها.
*نقلاً عن "الاتحاد"