مباشر

قصة حياة صحفي

مازن السديري
نشر في: آخر تحديث:

صباح الثلاثاء له عندي طابع مختلف فهو اليوم الذي تنشر فيه صحيفة الشرق الأوسط مقال -صديقي- الأستاذ غسان الإمام، فمنذ التسعينات الميلادية تعلقتْ به هذه العادة، برغم أسلوبه الباهر لكن واقعية تحليله البعيدة عن أي تحيز هي ما جذبتني، فمثلاً عندما اجتاحت الولايات المتحدة العراق العام 2003 راهنَ كثير من المراقبين بأن العراق سوف يتحول مباشرة إلى دولة ديموقراطية ومتقدمة صناعياً على غرار ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، كان غسان يرى بأن هذه الآراء (سطحية) لعدم مراعاتها معطيات كثيرة من اختلاف التركيبة الاجتماعية والمؤسسات الصناعية والتعليمية فألمانيا كانت تمتلك مؤسسات صناعية قبل وصول هتلر بعقود، أيضاً بعد اغتيال الحريري (الأب) -رحمه الله- كان هو من القلة التي لا تتوقع إسقاط الرئيس اللبناني وقت ذاك -إميل لحود- لأن الكتل السياسية غير متجانسة ويمكن أن ينبثق منها تكتل ينقذ "لحود"، وهو ما حدث لتحالف عون - حزب الله.. كان غسان مختلفاً.. واقعياً ولا يتأثر بسيل كبير من الآراء المغايرة.

العام 2003 في زيارة لباريس لحقتها سنوات من الإقامة هناك لأجل الدراسة، حاولت التعرف عليه عن طريق صحفي في إذاعة الشرق، عندما لقيته أول مرة لم أعرفه فهو مختلف عن شكله في الصورة.. لا يلبس نظارة وسمين نسبياً، وبرغم إقامته الطويلة في باريس منذ السبعينات فهو لا يتحدث الفرنسية وهو في الأصل خريج أدب إنجليزي، ولا يقرأ إلا ثلاث صحف (الأهرام) لخصوصية مصر و(القدس العربي) من أجل صفحة (الصحافة العبرية) وأخبار إسرائيل من الداخل والصحيفة الثالثة هي Herald tribun الصحيفة الأميركية وكان معجباً جداً بالكاتب الأميركي (وليم فاف) المقيم أيضاً في باريس، كان يحب في الصحافة الأميركية قراءة الأخبار والتقارير والمهنية التي يعشقها، وبرغم بيته الصغير في ضاحية (نويي) الباريسية فإنه كان يمتلك أرشيفاً داخل بيته يحتوي على ملفات لشخصيات عالمية وعربية يقوم هو بتسجيلها حتى يستخلص منها بروفيلها الساخر، فلم تكن زاوية (أصداف و لآلئ) تكتب غالباً في أسبوع النشر بل بشكل تراكمي وكان يخشى أن يمتلك تلفزيوناً كي لا تؤثر مواده الإعلامية على حياديته واكتفى بجهاز الراديو ليسمع ملخصاً عن أخبار لبنان من إذاعة الشرق وأغاني عبدالوهاب وأسمهان.. كان مصمماً حياته كمراسل صحفي وكاتب لتقارير عبر مقالاته.

أما عن حياته الصحفية والتي بدأت من سورية تعرف فيها على صحفي كبير هو أحمد العسه وأصبح هو الصحفي المقرب من عبدالحميد السراج -رجل عبدالناصر في سورية- همس العسه في أذنه (الصحفي يجب أن لا يتورط بانتماء سياسي وإلا صار بوقاً) حاول الحفاظ على الحياد بالرغم من أنه أصبح يلتقي بالمشير عامر لكنه لاحظ تآكل الحرية الصحفية السورية ثم فشلت الوحدة، وفي العام 63 ذهب لبيروت ليجد (صناعة صحفية).. مطابع مختلفة القدرات والإمكانيات ومراسلين أجانب ومقيمين وموارد بشرية من كل العالم العربي وإصدارات متنوعة لكن أيضاً كان المال السياسي يحرك تلك الصحافة مع بقاء هامش مرن مقبول للعمل المهني، شكلت له تلك الفترة طفرة في كل شيء يمت بالمهنة وانتهت تلك الفترة بالحرب الأهلية والهجرة إلى باريس.. القيادات العسكرية العربية التي تمول تلك الصحف المهاجرة ما كانت لتقبل بمهنية غسان وانتهت بخروجه.. لم يكن يتوقع غسان أن يوجد في قيادات العالم العربي مثقف مثل سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- الذي رحب بانضمامه للكتابة في الشرق الأوسط وكانت له مواقف إنسانية معه أهمها التكفل بعلاجه من مرض السرطان والذي أصابه ثلاث مرات، بالرغم أن غسان كانت تغلب عليه الأفكار اليسارية بل استمر يُؤْمِن ويدافع عنها حتى بعد انضمامه لصحيفة الشرق الأوسط والسبب مهنيته وموضوعيته ونَصيحة أحمد عسه بأن الصحفي لابد أن يبقى على الحياد والملك سلمان مثقف يهمه الرأي المتوازن.

ظل محتفظاً بكبريائه وعزة نفسه ويتمتع بسخرية المثقف العميق، كان يقول (الطلاس أقدم وزير لأنه بقي على الهامش)، سألته عن هروب السياسي (الذكي) عبدالحليم خدام، يعني سقوط النظام؟ يجيب: لا بل يعني بأن النظام ازداد غباءً.. وآخر ما قاله ما أجمل حظي أسكن في أجمل حارة وسأدفن في أجمل أجمل مقبرة.. رحمه الله..

*نقلا عن صحيفة "الرياض".

قبل أن تذهب