مباشر

رسالة

فضيلة الفاروق
نشر في: آخر تحديث:

عزيزي الدكتور الشاعر، سلام أمّا بعد..

فكرت مليا قبل أن أكتب لك، وكنت قد فكرت أكثر وأنا أقف أمام مجموعتك الشعرية في أحد الرفوف في مكتبة تعوّدتُ اقتناء كتبي منها، ترددت أولا قبل أن أفتح الكتاب، ففي الغالب كل من يضع حرف الدال قبل اسمه، يشعرني بالتقزز، ليس لأن مرتبته العلمية تقززني، لا والله؛ بل لأن النص الشعري لا ينجح بهذه الطريقة، ولا النص الروائي، ولا أي نص آخر يقوم على جماليات لا علاقة لها بدرجة تحصيلك العلمي.

حملت الكتاب يا سيدي، وبدأت بقراءة طلاسمك الشعرية، قلّبت الصفحات، وتقلّبت معها، بحثت عن شيء يحرّكني فلم أجد غير حرف الدّال الذي يتقدّم اسمك على الغلاف، يهوي على رأسي مثل مطرقة..!

دال، دال، دال، ثم ماذا بعد؟

في الحقيقة لا شيء، فهذه الدّال مثلما تعزز غرورك، وتجعلك سعيدا بنجاحك الأكاديمي، فإنّها في الوقت نفسه، تضعك في فوهة المدفع، عليك أن تكون أشعر من شعراء القرن لتقنع قارئك بتلك الدّال الواقفة كالصنم وهي ترافق شعرك، فلماذا هذا التّكلُّف؟ لماذا هذا العبء على الشعر؟

ثم لماذا تقتصر هذه الظاهرة على أشخاص من بيئتنا العربية المعاصرة؟ فهل يغطون بحرف الدّال ضعف شعرهم، أم يقدمون أنفسهم على أنهم دخلاء على عالم الشعر؛ لهذا وجب علينا التّساهل معهم؟ أم أن الأمر مستفز أكثر من كل توقعاتنا؛ كون تلك الدّال تطلُّ علينا من علٍ، وتقوم برفسنا نحن الذين قد نتمادى وننتقد محتوى الكتاب؟

أبحث عن نقطة إيجابية واحدة لوضع الدال وحيدة هكذا خارج إطارها الأكاديمي، فلا أجد ما يشفي غليلي، سوى أنّها عقدة إضافية أخرى إلى عقدنا الكثيرة، عقدة النقص، أمام فطاحلة الشعر الذين لم يرتد بعضهم صرح الجامعة. أو لنجد لها اسما آخر يختصر ذلك النّهم الذي يتصف به صاحب الدكتوراه «العظيم» في أن يكون كل شيء، معتديا اعتداءً صريحا على المساحات التي يشغلها غيره.

أليس غريبا ونحن نشهد أفول الشعر، أن تدخل أنت العتبة نافشا ريشك مثل الطاووس، لتقاطع صمت الحزن على الأطلال بجعجعة فارغة؟ فماذا في جعبتك يا دكتور غير هذا الحرف الذي يرقص «الصَّالصا» وحده في مأتم حزين؟

عذرا سيدي، هذا مجرّد رأي، يمكنك أن تحمل «دالك» مثل مظلّة تحتمي بها ممن يمطرونك بسخريتهم اللاذعة، يمكنك أن تهدي كتبك لأصدقائك ومعارفك، كما يمكنك أن تجبر طلبتك على إنجاز بحوث حول نصوصك، لكنك ستبقى شاعرا معقوف الحظ، تدلّلا رقبتك من مشنقة نصبتها بنفسك لنفسك.

أيُّها السّعيد بشهادتك، الشعر يرفعك كيفما كنت، فاكتب شعرا جيدا إن كنت شاعرا فعلا، ودعه يرفعك ويحلّق بك حيث تريد، دون أن تنسى أن أكبر الشعراء الذين يدرسهم طلاب الجامعات تباينت مستوياتهم، لكن الدكاترة منهم لم تصبهم لوثتنا هذه.

*نقلا عن "الرياض"

قبل أن تذهب