مباشر

جديد القلب.. السفر إلى البريق

فارس بن حزام
نشر في: آخر تحديث:

سافر إلى موسكو، هناك تلتقِ عرشاً غارباً، بينما نعش سيد البلاشفة هو التاج الحاضر والقيصر الأزلي. سافر إلى لندن، شوارع باردة وليل كثيف بالغرباء، وهي عاصمة البلاد التي كانت تحكم أراضي الشمس، بينما لا تعرف شهراً واحداً دون نهارات معتمة. سافر إلى نيويورك لتجد صنيع أباطرة الهجرة، ورجالات صقلية في بناء التجارة ومهد الاستعمار الحديث، وأساتذة التصفيات. بينما سافر إلى باريس لتعرف كل الحكاية.

هذه المدينة المتجددة لا تقترح عليك فقط أشكالها الكثيرة، ولا تكرمك بفصول السنة بالألوان والسماء والعطور، بل تطلب منك أن تكون وفياً لأول مكان زرته فيها، وتبني لك بيتك الخاص الذي لا تفتحه لأحد سواك. هكذا أعود من كل عام كأنني العاشق الوحيد، الذي تنتظره صبية فريدة، لا تخرج على أحد، ولا يُشرق صباحها على أحد قبل وصولي.

من حيث أبدأ تبدأ هذه المدينة بمقاهيها الثابتة على المساحة الواسعة من اللقاءات والأحاديث والوجوه. لا تنقطع عن الجديد ولا عن القصص الشهية. عندما تُسلم قدميك لأرصفتها لا تشترط عليك أن تتخذ اتجاهات محددة مسبقاً، ولا تستقبلك بأعذار أنك أتيت متأخراً، أو أن لك ظلَّ الغريب. كن على هوى الممرات في "سان ميشيل" وعلى صراحة المحلات الفاخرة بامتداد "سان جرمان" وفي استقامة الجسور بين دوائر المدينة (الخامسة، السادسة، السابعة، الثامنة)، وهناك لكل مكان فرحه الخاص. إنها باريس، التي تدعو مدن الجمال فيها لآخر ابتكارات الأناقة، وآخر فلتات مصممي العطور. ولا تنسى آخر لحظات الحب. لم تولد أي ماركة تُخلد روائح وأشكال العشق أو تزين قصائده وتستعيد قصصه، لكن باريس لا تنتهي على حكاية واحدة بين حبيبين، ولا تكتفي باسمين هائمين في سلوى الحياة.

سجلت هذه المدينة أوسمة كثيرة لا تنتمي لغير أيام الزهو، وزمن الجميلات وعشيقات الملوك والنخبة، ومنهن "لويز كوليه" المغرمة صبابة بعالم الأدباء حتى يسقط في عينيها ذلك القادم من مدينة "روان"، "غوستاف فلوبير"، كاتب الرائعة العالمية "مدام بوفاري". وقال عن تلك الجميلة إنها ثالث امرأة أحبها بعد أمه، وأخرى لا يقول عنها الكثير. هذا الكاتب الشهير يرحل، وأنا أختار قصته من باريس؛ لأن اسمه سيقودني لزيارة فيلا عائلته في "دوفيل". تلك المدينة الفاخرة في كل زاوية منها، والمتشبثة بالبحر، وتتبختر على شاطئه.

إنها جوهرة الساحل الغربي، الذي شهد تاريخاً عظيماً في العصر الحديث بعد إنزال النورماندي. هذه المدينة لا تقدم نفسها كتاريخ محارب، أو ملك يحصي الهزائم التي لحقت به، بل كأميرة لم تواجه أي مصاعب طيلة عقود كثيرة من الزمن الذهبي. تجد فيها عمالقة السينما العالمية على واجهات المقاهي والمطاعم، و"بلاس مورني" يجمع كل العناوين الشهيرة في الموضة والابتكارات، وهو أشهر الميادين الحافل بالحياة الكاملة. لا تغيب ملامح الأرستقراطية عن المباني والمعالم رغم قدمها، ويضاعف الزمن من بريق هذه المدينة الفرنسية، كما لو أنها تتباهى على باريس بحظها في النبالة والتاريخ الفاخر.

"دوفيل" تأخذ السبق في إطلالة بهية على المحيط الأطلنطي ببادرة العشق مع هذا البحر الكبير، وما يأتي من بلاد العم "سام" دون تحفظ. "دوفيل" تقف هناك كمخدع لا يبلى، وتنتظر مليكها الموعود بآخر معقل للرفعة وسلطة الذهب. وعندما أعودها ذات يوم سأجرب ما إذا كان وفاؤها يضاهي ما تمنحه باريس للعاشق أم لا.

قبل أن تذهب