مباشر

قصة الانقلاب على ترمب.. لماذا الآن؟

ممدوح المهيني
نشر في: آخر تحديث:

ترمب مثل القط الذي يسقط دائماً على قدميه. لوقت قريب كانت الغالبية تصرخ في وجهه وتصفه بالخرف والحماقة. صحافيون عدوا عليه عدد علب الدايت كولا التي يشربها وسخروا من أكله البيغ ماك بالشوكة والسكين. موظفون تسللوا لبيته وكتبوا عنه سيراً ذاتية بعناوين قاسية، مثل المعتوه والعنصري، واتهموه بمراودة زوجات أصدقائه عن أنفسهن.

أعضاء في الكونغرس كانوا يترصدونه للإطاحة به، وقبل أشهر معلقون على الشاشات احتفلوا بقرب مغادرته عقب إدانة محاميه مايكل كوهين. كل هذه أخبار قديمة الآن والقط الكهل المدمن على تويتر أصبح بمزاج مبتهج ولم يتردد بالتهكم على ساندرز منافسه الديمقراطي بالقول أهلاً بالمجنون.

لكن أكثر ما يبعث السرور للرئيس الأميركي ليس فضيحة عدوه مالك الواشنطن بوست، جيف بيزوس، الذي حولها بسذاجة إلى قصة دولية وسياسية بعد أن اتهم ترمب والسعودية باختراق هاتفه وتوزيع صوره الخليعة ليتكشف أن شقيق العشيقة المسرب. ولكن انكشاف محاولة الانقلاب عليه من قبل كبار من قيادات مكتب التحقيقات ووزارة العدل. والقصة أن انكشاف هذه الفضيحة أتى ليس على يد ترمب على الرغم من أنه حاول ووصفهم بالمستنقع الذي يجب أن يجفف لكن صمته وتوقفه عن الضوضاء هذه المرة جاء مفيداً.

الشركاء اختلفوا فيما بينهم على الغنيمة بسبب صراعات داخلية محركها الأحقاد والحسد، وبالطبع قبلها الطمع بالمال. فجأة ظهر إلى العلن آندرو مكايب النائب السابق لرئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي وبدا كطفل واشٍ أخبر عن محادثات سرية تمت بينه وبين نائب وزير العدل رود روزنستاين في مقابلة لبرنامج 60 دقيقة.

الأخير قال إنه يفكر بإخفاء جهاز تسجيل والدخول على الرئيس وتوريطه، وبعد ذلك تحريك المادة 25 من الدستور الذي يعني عزل ترمب بسبب عدم أهليته. واضحة الأسباب التي جعلته يفصح عن هذه الأسرار الآن وليس حينها. حينها كان هو أحد أعضاء الفريق المعادي لترمب وليس من مصلحته إغراق السفينة وهو على ظهرها. ولكن بعد خروجه يصبح من السهل عليه الوشاية بالزملاء السابقين انتقاماً، ولكن لسبب آخر مهم وهو المال. وهذا وقت جنيه ولن يتم إلا بفضيحة كبيرة.

مكايب أراد أن يفجر هذه الفضيحة ويضحي برفيقه من أجل أن يسوق كتابه الجديد الذي يحمل كل هذه التفاصيل. حركة تسويقية ذكية حتى لو كلفته خيانة مقرب له. وبعدها ظهر رجل التحقيقات في العديد من البرامج والمقابلات كجزء من الحملة الإعلانية لمؤلفه. هل مكايب مذنب في كل هذه القصة؟ بالطبع لن يدين نفسه، فقد قال إنه صمت بينما كان المتآمر الآخر يشرح خطته. ولكن حتى لا يظهر أنه متعاطف مع ترمب قال إنه مازال يُؤْمِن أن الرئيس متواطئ مع الروس ولكن هذه باتت قصة قديمة ولا تبيع.

في مهارة استغلال الفرص والمبادرة التسويقية قبل مضي الوقت لدى مكايب مثل أعلى وهو رئيسه السابق في الأف بي آي، جيمس كومي، الماهر بتسليط الأضواء على نفسه والمهووس بالشهرة وخطف الأنظار من أجل خدمة مصلحته. وعلى الرغم من كراهيته لترمب إلا أنه يحب نفسه أكثر، وقدم له خدمة العمر عندما أعلن فتح التحقيق في إيميلات هيلاري كلينتون قبل أسابيع من موعد الانتخابات الرئاسية. الديمقراطيون يحملونه حتى هذا اليوم مسؤولية خسارتها، ويتهمون أن عشقه للإعلام كان السبب، وعلى الأرجح هم على حق. فبعد إقالته لم تمضِ شهور حتى نشر كتاباً بحملة تسويقية ضخمة توقع الجميع أنه سيجهز على الرئيس ويخرج الأسرار من درج مكتبه ويكشفها للعالم. أي شيء من هذا لم يحدث، ولكن المهم لكومي حدث، بيعت ملايين من النسخ وظهر على مقابلات وهو يعظ بالأخلاق والوطنية.

كومي رجل استخبارات بزي مندوب مبيعات. وتصبح الإثارة ممتعة عندما يطرد بسبب رئيس خائن ينام مع الروس على سرير واحد. مكايب فهم اللعبة جيداً وأراد أيضاً أن يستفيد من كونه موظفاً سابقاً مقالاً بفضيحة فهي فرصة لن تكرر على الإطلاق.

أمضى ترمب يحذر من القيادات الكبيرة في هذه الأجهزة الأمنية ويصف عملهم بمطاردات الساحرات. ورغم المبالغات المتوقعة بسبب الصراعات السياسية إلا أن الخلاف كان من البداية حقيقياً وليس مخترعاً، وذلك يعود إلى عدم قبول هذه الأسماء لترمب الذي صدم الجميع انتصاره. وكذلك بسبب الخلافات الأيديولوجية معه، فهو لم يتردد ليس فقط بالإعلان عن أفكاره بل تطبيقها على الأرض، ما حول الخلاف من كلام إلى أفعال. ولأن هؤلاء يعتقدون أنهم كلاب الحراسة على بوابة الأمة، فقد رأوا أن هذا الشخص غير جدير بالقيادة ويجب استبداله، وهناك من يرفض حتى أن يناديه بالرئيس، مثل رئيس السي آي إيه السابق جون بيرنان الذي يعض على لسانه في المقابلات حتى تخرج من فمه كلمة السيد ترمب. ومن هذه البيئة المعادية ظهرت كل هذه الروايات والحكايات غير المؤكدة عن علاقات روسية سرية وتآمر مع قوى سرية ومؤامرات مالية ودائماً بدون أدلة ولكن بمصادر استخباراتية موثوقة اعتمدت عليها وسائل إعلام مندفعة وغاضبة ومنحازة.

لكن ماذا يحدث عندما يطرد مسؤول كبير في الأف بي آي من عمله؟ يعود لشخصية الإنسان الأناني الباحث عن مصلحته. الأيديولوجيا لا تجلب المال ولكن بيع الكتب يفعل. وهذا ما يقوم به كومي ومكايب وغيرهما حتى لو كان على حساب خيانة الأصدقاء الذين سيفعلون ذات الشيء لو أقيلوا أولاً. رؤية أرقام الحساب الشخصي تزيد في البنك أجمل كثيراً من رؤية ترمب يرجم مطروداً من بيته الأبيض.

قبل أن تذهب