سيادة الدولة.. أم سيادة القبيلة؟!
كلما حان موسم انتخابات كبيرة ومؤثرة في وطني الكويت، تجددت في القلب غصة، واعتصرت النفسَ عاصفةٌ عاتيةٌ من الحزن والأسى، تهُبُّ دائما قُبيل هذه الانتخابات، وتثير الغبار في وجهها، وتضع عصيَّ الفساد في عجلاتها، حتى قبل أن تتحرك!! ما أتحدث عنه هنا هو الظاهرة التي اصطُلح على تسميتها «الانتخابات الفرعية»، وكأنهم يخجلون من تسميتها الصريحة والحقيقية، ألا وهي: «الانتخابات القبَلية». وأعتقد أنه حان الوقت لكي نتحدث بوضوح كاشفٍ عن هذه الانتخابات «الفرعية» التي تشدُّ سفينةَ الكويت بحبالٍ غليظة مئاتِ الأميال إلى الوراء، في الوقت الذي يتطلع فيه شعبُنا إلى المضي قُدماً بخطوات محسوبة إلى المستقبل، كي ينتزع دوره الذي يستحقه في المشاركة بنصيب معقول في بناء عصره، والإسهام في رسم المشهد الإقليمي المعقَّد الذي يحيط به، والذي يتطلب مزيداً من القوة الثقافية والتأثير الحضاري، وإلا فإننا لن نفقد فقط دورنا وهيبتنا، بل نخشى أن نخرج من إطار عصرنا إلى خارج التاريخ، ومن ثم نفقد اهتمام العالم بنا وانشغاله بقضايانا!! فالانتخابات الفرعية - وكلنا يعرف ذلك - هي إحدى الثمار المرة التي تجاوزها الزمن، التي تطرحها شجرة التعصُّب للقبيلة والاعتماد على الانتماء إليها وتقديم مصلحتها على المصالح العليا للوطن وحدوده وشروط بقائه، ولعلنا جميعا نعرف أن انتخاب شخص ما (سواء للبرلمان، أو المجلس البلدي، أو اتحاد الطلبة بالجامعة، أو الجمعيات التعاونية) بناءً على انتمائه القبلي دون اعتبار لكفاءته ومقدرته على خدمة الوطن من خلال الموقع الذي توصله إليه الانتخابات، إنما هو أمر يضر بمصلحة الكويت، ويعبث بخططها المستقبلية لترسيخ قدميها في حضارة العصر. فمنذ استقلت الكويت قبل نحو 60 عاما، تحالَف قادتُها وشعبُها على اختيار طريق المستقبل والتقدم، كي نكون جزءاً من العالم المتحضر الذي يؤمن بالعلم والحرية وسيادة القانون والديموقراطية (الحقيقية)، كوسائل لا بديل منها للسفر إلى المستقبل. لكن ما يُلقي بالحسرة في القلب أن ستين عاماً مضت على استقلال دولة الكويت وهي لا تزال تلهث من دون جدوى لإقناع كثير من مواطنيها بأن الولاء لراية الدولة قبل أي انتماء آخر هو السفينة الوحيدة التي تكفل لنا الوصول إلى بر التقدم والازدهار والرفاهية، ولكن كل هذه الجهود - ومعها كل صرخات أصحاب الرأي المهمومين بمصالح الوطن- تضيع أدراج اللامبالاة التي لا أدري من أين جاءتنا، حتى إننا صرنا نبدو كأننا نسينا جميعا أن هذه الانتخابات مجرَّمة قانونا، ولا يزال الكثيرون يعقدونها بطريقة أو بأخرى، ويعلم بها القاصي والداني، ليتقدم الفائزون بها للترشح للانتخابات (الرسمية) وهم ضامنون النجاح السهل باسم القبيلة لا باسم الوطن، واعتمادا على العصبية لا الكفاءة والمعرفة، ومن أجل خدمة أبناء القبيلة لا من أجل برنامج انتخابي مُتقَن لإصلاح قضايا البلاد والعباد!! ألا تُثير هذه الظاهرة، ونحن نُنهي السنوات العشرين الأولى من القرن الحادي والعشرين، عاصفةً من علامات الاستفهام التي تتطاير في وجوهنا جميعا، وتطالبنا بالبحث لها عن إجابات تثير فينا الطمأنينة بشأن ملامح كويت المستقبل التي سنتركها لأبنائنا وأجيالنا المقبلة؟ فكيف نضمن تعزيز مدنيَّة دولتنا الحبيبة، ودعم مؤسساتها بسيادة القانون والدستور والتفكير العقلاني وحقوق الإنسان، بينما نحن لا نزال نتشبث بملامح واهية من بقايا مراحل تاريخية وحضارية عفَّى عليها الزمان، ولن نجني من ورائها إلا الفساد السياسي والاجتماعي الذي سنتركه لأبنائنا كأننا نريد أن نحرمهم نعمة البقاء في وطن آمن ومزدهر وقوي؟ وهذا المترشح (الفرعي)، الذي سيدخل قاعة عبدالله السالم من بوابة الانتخابات القبلية، والذي سيكون مَدينا لقبيلته (وليس لجموع الناخبين) بوصوله إلى مقعده الوثير، هل يا ترى سيهتم بمطالبة الحكومة بتسريع وتيرة التنمية لخلق فرص عمل لأبناء الكويت، أو سيُعنى فقط بتوظيف أبناء قبيلته وترقية الموظفين منهم أو نقلهم إلى أماكن حكومية متميزة، من خلال «حب الخشوم» مع الوزراء المختصين؟ وإذا أخطأ أحد أعضاء الحكومة خطأً سياسيا وتنفيذيا جسيما في حق المواطنين، وكان خطأً يستحق الاستجواب والمؤاخذة، وتصادف أنه ينتمي إلى القبيلة ذاتها التي ينتمي إليها النائب (الفرعي)، فهل سيتخلى هذا الأخير عن «إملاءات» قبيلته ويؤيد الاستجواب، أم سينحني لهذه الإملاءات ويغض الطرف عن الأخطاء، لأنه يعرف أن القبيلة قد تعاقبه بالكثير إذا خالف توجيهاتها، أو شذ عن تعليماتها... أما الوطن حينئذٍ فله رب يحميه؟! إن هذا المرشح «الفرعي» سيهدر مبدأ «تكافؤ الفرص» في التوظيف ما دام طالبو الوظائف من قبيلته (ناخبوه الخصوصيون) سينالون حظهم.. وسيهدر تكافؤ الفرص أيضا في مجال مراقبة «المناقصات» ما دام المقاولون من المنتمين إلى قبيلته ينتزعون حظهم المُرضي من الكعكة.. وهو لن يرفع إصبع الاتهام والمساءلة لأي مسؤول - مهما كان فساده أو تقصيره - إذا كان هذا المسؤول يشاركه الانتماء القبلي... فمن أين يأتي الإصلاح إذن، إذا كان البرلمان، وهو السلطة المنوط بها واجبا التشريع والمراقبة على سياسة الحكومة، يعاني عوارا وخللا بسبب أن بعضا من أعضائه «احتلوا» مقاعدهم البرلمانية مدفوعين بدعم القبيلة في الانتخابات الفرعية... ثم أليس غريبا ومضحكا في وقتٍ معاً أن ترفض لجنة «الداخلية والدفاع» في مجلس الأمة مقترَحاً بإلغاء العضوية البرلمانية للمترشح الذي تثبت مشاركته في انتخابات قبلية فرعية، أو حتى منعه من خوض الانتخابات أصلا، أَوَلم يكن الأَحق بمثل هذه اللجنة أن تؤيد هذا المقترح لأنه يدعم الدولة المدنية؟ لكن ربما تزول دهشتنا عندما نتذكر أنه من الصعب على أشخاص دخَل بعضهم المجلس من بوابة «الفرعيات» أن يستنكروا البوابة التي دخلوا من خلالها.. فالشخص الذي شارك في ارتكاب «خطيئة» سيجد صعوبة في إدانة شركائه! ثم إلى متى ستظل الكويت الدولة تعاني من أجل تحويل شعبها إلى ممارسة العمل السياسي بأسلوب العصر الذي نعيشه، فيرتبط الناس بالوطن عن طريق المواطنة المتساوية، ويقفون على مسافة واحدة من علم الدولة ومؤسساتها؟ يجب علينا جميعا أن ندرك ضرورة الربط بين بقاء وطننا وجودا وحدودا وأمنا وازدهارا، والتكلم بلغة العصر الذي لم يعُد يقبل إلا معايير معينة يتعين أن تتمسك بها الدولة المحترمة، وأهمها الديموقراطية الحقيقية التي تقوم على وحدة المواطَنة، ودعم مدنية الدولة، وإعلاء سيادة القانون وتعزيز العدالة والمساواة، وحق التفكير والتعبير، وتقوية مؤسسات الدولة... ولعل هذه المعايير، التي تبدو قليلة الكلمات وبسيطة المعاني، تتطلب من أجل نشرها وترسيخها الكثير من الوعي لدى المواطن، والكثير من الصدق والتنوير من الإعلام، ومع كل ذلك - وربما قبله وبعده - تتطلب منظومة تربوية مستنيرة تحتوي هذا كله وتجعل منه «عقيدة وطنية» لا مَحيد عنها، نُلقِّنها لأبنائنا منذ نعومة أظفارهم، لتعزيز بناء الكويت: المواطن والوطن والدولة، كي تكون هي الشجرة الأعلى والأقوى والأجمل التي ينعم المواطنون جميعا بظلها...أما اكتفاء البعض بترديد شعارات جوفاء منادين - كذباً - بالديموقراطية والدولة المدنية وسيادة القانون، بينما هم أول من يخاصم هذه الشعارات ويعمل على تقويضها، فهؤلاء - بكل أسف - ليسوا فقط يغتصبون حق الكويت في المستقبل، بل أيضا يطلقون النار على قدمَيها!
نقلا عن "القبس"
اختيار المحررين
-
"الملك" صلاح على الأعناق.. احتفالات صاخبة وتهنئة رئاسية بعد فوز مصر التاريخي مصر منذ 8 ساعات -
منزلك في قلب الحرب الرقمية.. كيف يستغل القراصنة أجهزتك الذكية؟ مصر منذ 12 ساعة -
مريم الجندي: "الكراش" فيلم يعتمد على البساطة والدفء الإنساني ثقافة وفن منذ 13 ساعة -
خبراء نوم: سبب ميل البعض للسهر وراثي أكثر مما يُعتقد! علم منذ 14 ساعة