الزمن الجميل
انتقادات عديدة توجه إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت دون أي شك ولا جدال اللهو الخفي السارق للوقت، المفرق بين الأخ وأخيه والابن وأبيه والزوج وزوجته وهم يجلسون متجاورين في نفس الغرفة، المضيع للمال من أجل البقاء على شبكة الإنترنت....إلخ. وبدلًا من أن تصبح اسمًا على مسمى باتت وسائل للتباعد الاجتماعي وليس التواصل.
رغم ذلك لابد وأن نعترف أن تلك الوسائل قد نجحت إلى حد كبير في إحداث درجة كبيرة من التواصل بين الناس ما كانت لتحدث بدونها، خاصة بالنسبة للأقارب والأصدقاء المقيمين خارج البلاد، فأصبح من السهل التواصل معهم كل دقيقة وكأنهم موجودون في الغرفة المجاورة.
مؤخرًا تواصل معي زميل عزيز معلنًا نيته انشاء جروب يضم عددًا من الزملاء وأطلق عليه اسم جروب "الزمن الجميل" وبالطبع قلت فورًا: أكيد معاك، وبعد دقائق تم إنشاء الجروب وبسرعة الصاروخ وجدت سيلًا متدفقًا من الزملاء ينضم إلى هذا الجروب.
ومع مرور سنين طويلة وتغير الأشكال والملامح وجدت بعضهم يتعرف على أسماء الزملاء؛ لكنه لا يتذكر الوجوه وبدأ يطلب صورًا قديمة حتى يتذكر مع من يتحدث، وعندما يرى الصورة يصرخ: يابن الإيه.. افتكرتك. البعض يعلق: فين شعرك يخرب عقلك، ده كان أحلى حاجة فيك. البعض الآخر: إيه الكرش ده يابنى. ناهيك عن الإيفيهات المتعلقة بالمهنة، منهم من أصبح طبيبًا أو مهندسًا أو محاسبًا أو صاحب شركة سياحة، ومنهم العبد لله (الدكتور بتاع المياه)، وكل واحد ونصيبه في الإيفيهات....إلخ.
لم تنجح الأيام أن تجمعهم، لكن نجح جروب "الزمن الجميل" في تجميعهم، ووجدت متعة غريبة في الإنصات والترقب عن بعد دون مشاركة، لأنه فجأة وجدتني أمام زملاء الإعدادي والثانوي بنفس طريقة الهزار والنكات والضجيج الذي يحدث في تلك المراحل، ولمست حرصهم الشديد على نسيان كل تلك السنوات التي مرت من عمرهم وما وصلوا إليه، أحسستهم يلهثون وراء لحظة يرجعون فيها إلى زمان وأيام زمان ليتصرفوا على سجيتهم بمنتهى التلقائية.
منهم من بدأ المشاركة في الجروب وقورًا متأثرًا بما نحتته السنوات الطويلة على شخصيته من ملامح، لكن الآخرين نجحوا بمنتهى المهارة في تحطيم تلك السدود والعودة بهم بسلام إلى ملامحهم القديمة.
زملاء كثيرون وصلت إليهم عن طريق وسائل التواصل، منهم من هاجر منذ عشرات السنين، وآخرون تمنعنا الظروف من الالتقاء بهم على الرغم من وجودهم في مصر.
التوظيف الجيد لأي شيء لابد وأن يؤدي إلى نتائج سليمة وصحية ومنطقية، لا إلى ظواهر غريبة وسلوكيات مريضة وتفكك اجتماعى، لابد من بحث ودعم وتحفيز كافة المحاولات والتجارب بهدف توظيف تلك الوسائل لإحداث ترابط بين الناس وليس التباعد المتحقق بالفعل، حرصًا على مستقبل أولادنا.
* نقلا عن "الأهرام"