تناغم الحياة
لن تستطيع أن تعيش بمفردك، ولن تتمكن من التأقلم مع الآخرين بدون مراعاة أماكنهم ومراتبهم وأحوالهم، ومعرفة متى يسمح لك بالتنقل بينهم وإشراكهم في أمرك والاشتراك في أمرهم، فإن الحياة أدق نظامًا مما يتصوره الكثير، وأجمل إيقاعًا من عشوائية آخرين، فيلزمُك لكي تعيش حياة كريمة متناغمة مع المجتمع أن تعرف مكانك المؤهل لك لتضع نفسك فيه وتنطلق منه، وهذه المعرفة والمكانة لا تتعلق بك لوحدك؛ فالمجتمع من حولك أيضًا مسؤول ومتدخل في أفعالك ومرتبتك، وهذا ليس باختيارك، فمنه ما يكون قدراً، ومنه ما يكون اختيارا موروثًا ومحاطًا بعاداتٍ أو زمان أو مكان، دون تغييره خرط القتاد كما يقال.
تناغم الحياة يبدأ موروثًا أخلاقيًا من الاحترام، والكرم، والشهامة، والنخوة، والرحمة، والوفاء، والإحسان، كل ذلك وغيره كثير يتشكل بالتوارث المجتمعي، إما تديّنًا أو عادةً، وكان على الأولين واجب إقامة الصروح التعليمية الحافظة، وقد فعلوا ما بوسعهم لأجل ذلك، وكان علينا المضي في الطريق التكاملي، الذي هو عماد التقدم والتطور في كل شيء، وما وصلت بعض الشعوب إلى ما وصلت إليه إلا بسلوك مسلك الحياة التكاملي، فكل جيل يبني أخلاقه وتطوره ومخترعاته على مجهود من سبق، فلولا من اخترع الكمبيوتر بحجم الغرفة مثلا، لما استطاع "الريبوت" صنع عشرات الكمبيوترات الحديثة في ساعات! ليس ذلك عبثا، ولا يحمد عليه فرد بعينه، بل هي عملية توارثية تراكمية.
لا أريد البعد كثيرا عن الواقع، فواقع كثير من الشعوب ليس مؤهلا للنظر والتفكر في مسابقة ومنافسة صناعات الغرب فيما هم عليه، لأن ذلك يعد انتحارا أخلاقيا وإنسانيًا، فمجتمع تهالكت بنيته التحتية التعليمية والأخلاقية، ثم يقفز إلى امتلاك القدرة على الاختراع والتصنيع، ذلك يعني دمار المجتمع، فإن المخترع والمصنّع حين يفتقر لأخلاقيات الإنسانية والرحمة الربانية سيكون إبداعه في إشباع نواقص ذاته، فهو لا يريد أن يرى مجتمعًا مخلقًا بالآداب والاحترام والكلمة الحسنة والرحمة، فكل ذلك لا يملكه، وقد قيل "فاقد الشيء لا يعطيه" فلا يتوقع أن تخدم ابتكاراته واختراعاته الإنسانية أبدًا، ولأجل ذلك بدأ التنزيل الحكيم بتأسيس أعظم ركن من أركان الإسلام على العلم، فقال: (فاعلم أنه لا إله إلا الله) ويعني ذلك أن التدين المبني على الجهل دمار للإنسان، وكذلك العلم الخالي من الرحمة التي بدأ حملة العرش بها (ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما) وقال الله عن الخضر (آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما). ينتج عنه ما يشاهد من تبني العنف والقتل والذبح خدمة لتوجهات مؤطرة في عصبية جاهلية باسم الدين أحيانا، وبشعارات مختلفة في أحيان كثيرة.
وقد أكد القرآن وكرر على ضرورة العلم، وحذر من الجهل عموما، فالمسلم أشد الخلق حاجة للعلم، إذ بدون العلم ستحمل على عاتقك نصرة دينك بجهل وهذه هي "القارعة" التي أرقت الشعوب، وشوهت أهل الحق، وهو ما حذر منه القرآن والسنة.
فالتجانس والتناغم في تطور المجتمعات يبدأ من تلقي الطالب أخلاقيات الحياة، وينتهي بفكره وعطائه حين حصاد تجربته العلمية والعملية في حياته، فكيفما كان تلقيه وتجانسه بالآخرين أثناء اكتسابه فسيكون أثره واضحا حين عطائه وإبداعه، وليس ذلك في منأى عن تعاليم ديننا السمح الذي ربط بين بداية المرء ونهايته، وبين حياته وأثر تصرفات الآخرين عليها، وبالتالي فالمجتمع كتلة واحدة لا يتجزأ، فإن مرض عضو أثر ذلك على بقية أعضاء الجسم، وبحسب قوة الجسم وتماسكه تكون العافية. هذا، والله من وراء القصد.
نقلا عن الرياض
اختيار المحررين
-
أصغر 5 لاعبين في المونديال.. بينهم مهاجم خطف قلوب المصريين مصر منذ ساعة -
سواكن.. مدينة سودانية مر بها ابن بطوطة تُشعل الأساطير السودان منذ ساعة -
أنثروبيك تطلق جرس إنذار مدو.. الـAI سيطور نفسه ويخرج عن سيطرتنا أميركا منذ ساعتين -
باللهجة المصرية.. ديو يجمع سعد لمجرد ومحمد شاكر لأول مرة ثقافة وفن منذ 13 ساعة