مباشر

هل تراهن أوكرانيا على الحصان الخاسر؟

غيث حدادين
نشر في: آخر تحديث:

تُراهن أوكرانيا على دعم الولايات المتحدة بشكل أساسي لمواجهةِ أي غزو روسي محتمل، رغم الانتقادات المبطنة للرئيس الأوكراني فوليديمير زيلينسكي قبل أيام على تصريحات الرئيس جو بايدن والتي تحدث فيها عن رد فعل بلاده في حال غزت روسيا أوكرانيا، والتي حددها بمدى ما ستفعله موسكو.

وبالنظر إلى تصريحات المسؤولين الأميركيين منذ بداية الأزمة الأوكرانية، فقد تراوحت بين "الرد الصارم" والعقوبات" و"المحاسبة" في حال غزت روسيا أوكرانيا دون توضيح كيف سيتم ذلك، إذ أوضحت الناطقة باسم البيت الأبيض جين ساكي في بيان أعقب تعليقات بايدن التي أثارت سيلا من الانتقادات، أنه "إذا تجاوزت أي قوات روسية الحدود الأوكرانية، أي غزوها مجددا، فإنه سيقابل برد سريع وصارم وموحد من جانب الولايات المتحدة وحلفائها".

لكن هل الرئيس الأوكراني يراهن على هذه التصريحات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، رغم وجود شواهد تاريخية على طريقة تعامل أي إدارة ديمقراطية مع الأزمات السياسية حول العالم، والتي تخلت فيها عن حلفائها في كثير من الحالات.

فلا يفصلنا عن الانسحاب الأميركي من أفغانستان سوى بضعة شهور، بعدما قررت إدارة بايدن الانسحاب من هناك وترك حكومة الرئيس أشرف غني في مهب الريح في مواجهة حركة طالبان المتشددة وعناصرها، مع الإبقاء على بعض الدعم الاستخباراتي، الأمر الذي اعتبر فشلاً أميركاً، وتلقى انتقادات داخلية وخارجية.

ولأن الشيء بالشيء يذكر، وكما فعلت بأفغانستان فعلت الإدارة الديمقراطية الأمر ذاته في سوريا عام 2012، عندما تراجعت إدارة أوباما عن خطوطها الحمراء التي وضعتها للنظام السوري في حال استخدم السلاح الكيمياوي ضد المعارضة، حيث بعدها بعام فقط قُتل أكثر من 1300 شخص بالغازات السامة للنظام في غوطة دمشق الشرقية، ولم تحرك واشنطن ساكناً حينها واكتفت بوعود النظام تدمير أي سلاح بيولوجي يملكه.

وليس بعيداً عن سوريا، ففي العراق وبعد إسقاط نظام الرئيس الأسبق صدام حسين عام 2003، وتشكيل حكومة مدعومة أميركياً. ما هي إلا سنوات قليلة حتى ارتمت البلاد كلها في الحضن الإيراني بعد قرار أوباما الانسحاب من هناك عام 2009.

الإدارة الأميركية وقبل أيام أعلنت إرسال أسلحة دفاعية وعتاد لأوكرانيا، كدفعة أولى من مساعدات تبلغ قيمتها 200 مليون دولار، لمواجهة التهديد الروسي والمخاوف من حدوث غزو لأوكرانيا.
فالصراع في تلك المنظقة تعود جذوره لأسباب عدة يطول شرحها. لكن وباختصار ما أشعل شرارة التوترات هو رغبة أوكرانيا ورئيسها الموالي لأميركا والغرب باستئناف محادثات الانضمام إلى الناتو، الأمر الذي اعتبرته موسكو تهديداً لأمنها القومي، والذي لا يمكن التهاون فيه على الإطلاق.

كذلك، تعود جذور الأزمة إلى سنوات خلت إثر تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991، واستقلال جمهورياته السابقة مثل بيلاروسيا ولاتفيا إضافة لأوكرانيا، التي يتحدر قرابة نصف سكانها من أصول روسية، وتحديداً في مقاطعة دونباس الحدودية.

فقد شهدت دونباس عام 2014، حرباً ضروس بين مقاتلين انفصاليين مدعومين من روسيا من جهة، والقوات الحكومية الأوكرانية من جهة أخرى، أفضت لاحقا إلى التوصل لاتفاقية مينسك المعروفة، والتي فشلت في إنهاء الصراع، تبعها اتفاقية مينسك الثانية في 2015، والتي وضعت حداً للحرب، رغم عدم تنفيذ بنودها بشكل كامل، إلا أنها تعد الأساس لأي حل مستقبلي.

وبعيداً عن الأسباب وجذور الصراع والأطماع الروسية، نعود إلى الوقت الراهن، فيبدو أن الغزو الروسي على الأبواب، حيث بدأت سفارات الدول الغربية بسحب دبلوماسييها، والتصعيد العسكري الروسي على أشده، فالآلاف من الجنود على الحدود، يخوضون مناورات عسكرية تأهباً لأي عمل عسكري.

في المقابل التصريحات الأميركية، لا تتعدى المساعدات الدفاعية المحدودة التي أعلنت عنها سفارة واشنطن في كييف، والتهديد بالعقوبات الاقتصادية! التي لم تؤتِ أوكلها في سنوات ماضية، ولم تهز شعرة واحدة في رأس بوتين الطامح لتوسيع إمبراطوريته.

فهل رهان الرئيس الأوكراني على واشنطن في محله، وعلى ماذا يرتكز في قراره هذا، فالتاريخ القريب وليس البعيد، يؤكد أن رهانه خاسر لا محالة، فالتهديد بالعقوبات لن يوقف موسكو، والتدخل العسكري الأميركي على الأرض مستبعد لحد بعيد.

وبالنظر إلى هذه الحقائق، يبدو أنه من الأفضل للرئيس الأوكراني العودة إلى الحوار مع موسكو، فلا الجغرافيا السياسية تخدمه، ولا الاعتماد على الدور الأميركي يمكن المراهنة عليه، فليجنّب بلاده حرباً هو بغنى عنها، ويبقى على سياسة عدم الانحياز لحين تغير الظروف الدولية وانتهاز الفرصة المناسبة للانضمام إلى الناتو.

قبل أن تذهب