مباشر

أرض بلا شعب

وحيد عبد المجيد
نشر في: آخر تحديث:

يتعامل صانعو القرار فى كلٍ من الولايات المتحدة وروسيا مع أوكرانيا كما لو أنها أرضُ بلا شعب، أو ساحةُ مفتوحةُ لصراعٍ أكبر. وهذا قاسم مُشترك بين سياستى الدولتين اللتين تتصارعان على مستقبل النظام العالمى.

أوكرانيا هى الساحةُ الرئيسةُ الراهنةُ التى تتحدى فيها روسيا التصور الأمريكى للنظام العالمى، وتسعى إلى تغييره فى اتجاهٍ أكثر تعددية. ويُعد موقفُها الرافضُ تمدد حلف الناتو شرقًا، وإصرارُها على غلق ملف انضمامها إليه، تعبيرًا رمزيًا وفعليًا فى آنٍ معًا عن تحدى هيمنةٍ أمريكيةٍ يُعتقد فى دوائر صنع القرار بموسكو ودولٍ أخرى أنها آخذةُ فى التراجع على نحو يتيحُ فرصًا للضغط من أجل إنهائها.

وعلى الجانب الآخر، تبدو أوكرانيا بالنسبة إلى الولايات المتحدة رمزًا لاستمرار النظام الحالى الذى تصرُ على التمسك به، ويُعتقدُ فى معظم دوائر صنع القرار بواشنطن أن روسيا والدول الأخرى التى تريدُ تغييرِه (الدول المراجِعة Revisionist) تُمثَّلُ تهديدًا لمصالحها، ويتعينُ بالتالى التصدى لها. وأوكرانيا هى الساحةُ التى تتصدى فيها اليوم لهذا التهديد، عبر المحافظة على الوضع الراهن فيها، وعدم تقديم ما ترى أنه تنازلُ جوهرىُ لروسيا. وضمن هذه السياسة، تستخدمُ واشنطن ملف انضمام أوكرانيا إلى الناتو ورقةَ ضغطٍ على موسكو، ووسيلةً لدفعِها إلى خفض سقف أهدافها على المستويين الدولى والإقليمى.

وفى مجرى هذا الصراع على الحاضر والمستقبل، تقلُ أهميةُ التاريخ حتى إذا كان فى ذاكرة الروس ما يُذّكرُ بما قاله الجنرال ميخائيل كوتوزوف الذى واجه نابليون بونابرت وكان ندًا له فى معركة بورودنيو الرهيبة التى انتهت بخسائر فادحةٍ فى صفوف الطرفين 1812. فقد قال كوتوزوف إن روسيا كانت السيف، وأوكرانيا الدرع، رغم أنها لم تمنع نابليون من دخول روسيا، ثم الوصول إلى موسكو ولكن بقواتٍ خائرةٍ بفعل ضراوة تلك المعركة.

والمهمُ, فى هذا كلهِ، أن عيون صانعى القرار هنا وهناك لا تُبصرُ فى المجتمع الأوكرانى سوى أنصار كل من الدولتين, أى من دعمتهم واشنطن 2005، ومن ُتساندُهم موسكو منذ 2014, بلا أى اعتبار لمن لا ناقة لهم ولا جمل فى هذا الصراع.

نقلاً عن "الأهرام"

قبل أن تذهب