مباشر

الثقافة العربية في نسختها الخليجية

حسام عبد الوهاب زمان
نشر في: آخر تحديث:

شيع في خطابنا الحرص الشديد على تناول الثقافة العربية في إطارها العام، ومعالجة قضاياها بالتعميم وبالعبارات الوصفية من غير محددات وطنية أو إقليمية، وما ينتج عن ذلك من تعميم لظروف تاريخية أو أوضاع حالية مرت وتمر بها بعض الأقطار العربية من استعمار أجنبي، أو حروب أهلية، أو تدخلات أجنبية بأطراف محلية. فنرى مثلاً تحقيب التاريخ الثقافي الحديث بين فترة الاستعمار وفترة الاستقلال، كما نرى التشاؤم العام بشأن استمرار انتشار الأمية الثقافية والرقمية، وهجائيات البترول، ووصمة «مدن الملح»، امتداداً إلى الحديث عن تصدع العلاقة بين العرب شعوباً وحكاماً، إضافة إلى تأزيم المشهد من حيث التحول نحو الديمقراطية كحل «أوحد» -من وجهة نظر البعض- لجميع مشكلاتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

فعودة لحديث التحقيب للثقافة العربية المعاصرة، فمن الضروري تذكر أنه لم تكن لنا هنا في الجزيرة العربية علاقة مباشرة بولادة عصر النهضة - عقب الحملة الفرنسية على مصر، وما تبع ذلك من ظهور محمد علي ومملكته المصرية ثم الشامية. بل من الممكن الزعم أنها كانت ذات أثر سلبي علينا في وأدها لنسختنا الخاصة من النهضة التي تجلت في ظهور دولة آل سعود الأولى، وسعيها لتوحيد نواحي الجزيرة العربية وتأمينها، بعد أن كانت ولقرون شبه خالية من أي سلطان باستثناء سلطان الجهل والخرافة والتناحر القبلي.

واستمراراً في مناقشة التحقيب الثقافي، فلا أظنه من الممكن مقارنة علاقة هذا الجزء من عالم الثقافة العربية في الجزيرة العربية بالغرب، بعلاقة أجزاء أخرى من عالمنا العربي. فلم تجتح جحافل الانجليز أو الفرنسيين أو الإسبان أو الإيطاليين أقطار الجزيرة العربية، وموقع الحماية البريطانية في الخليج ليس شبيهاً ولا قريباً من سلطة المندوب السامي في القاهرة أو الحاكم الفرنسي للإقليم الجنوبي في الجزائر، وعلى مستوى التعليم والثقافة لم تكن هناك حملات فرنسة أو تتريك (باستثناء ما تعرضت له المدينة المنورة لفترة وجيزة نهاية عهد الإمبراطورية العثمانية). فمحاولة البعض في صناعة تاريخ للثقافة العربية المعاصرة في الجزيرة العربية قبل الاستعمار وبعد الاستعمار فيه ممارسة لأسلوب النسخ واللصق لا يتناسب والتحليل الثقافي العميق.

صحيح أنه يحسب لجيل الرواد في ثقافتنا العربية في السعودية والخليج انفتاحهم على عواصم الثقافة العربية منذ الثلاثينيات والأربعينيات في القرن الماضي، وكانت لهم علاقات تلمذة حضورياً وعن بعد لكبار رجال العلم والثقافة في القاهرة ودمشق وبيروت، ومتابعة لكتبهم ومجلاتهم، وتأثر طبيعي وواضح بأساليبهم وحراكهم الثقافي ومعاركهم الفكرية، حتى أصبح لدينا حينها مريدون للعقاد ومتابعون للرافعي. ولكن تقدير الرواد وتلمذتهم لأساطين الفكر والثقافة حينها، ليس مبرراً لتقمص أوضاعهم وظروفهم، ومحاولة عكسها على ماضينا القريب وحاضرنا اليوم وتفسير حراكنا نحو المستقبل في ضوئه.

تظهر هذه الإشكالية بوضوح في الحديث التراجيدي أحيانا عن أزمة «النفط» وأثره على بلدان المنطقة، وما «أفرزه الاقتصاد الريعي» من آثار سلبية على هذه المجتمعات. فهل كان اكتشاف النفط وما تلاه من طفرات اقتصادية واجتماعية سيئاً حقاً. النفط كما نعلم ليس ظاهرة خليجية، فهو موجود وبغزارة في دول عربية أخرى كالعراق وليبيا والجزائر، فلماذا لا يكون مدخلنا أكثر موضوعية، بحيث نضيف إلى ما سبق قراءة تميز التجربة الخليجية مع النفط، وتثميرها له في عمليات التحديث الاجتماعي والتنمية الثقافية والتعليمية التي لا تقارن -بفضل الله- بما حدث في دول نفطية أخرى. وللأسف لم تحظ صيحة التنبيه المبكرة أن «الخليج ليس نفطاً فقط» بما يكفي من تكريس ومتابعة.

وثيق الصلة بهذا التقمص لمشاكل الثقافة العربية في بلدان أخرى هو إعادة تمثيل صراع السلطة السياسية والمثقف في مسرح دول الخليج، ومحاولة توصيف تاريخنا الثقافي وقولبته بما يتناسب مع هذه «الأزمة». ولكن ما يدركه العموم هنا أن ولادة التحديث في بلادنا مرتبطة بظهور الدولة، وتسارع عملياته وتضاعف نتائجه تعليمياً وثقافياً واجتماعياً -في فترة وجيزة بالمعايير التاريخية- متوافق مع نمو الدولة ونضج أذرعها ومؤسساتها. بل من الممكن الزعم أن الهم الثقافي والتحديثي للقيادة السياسية في السعودية والخليج هو داع للتفاؤل بمستقبل أفضل للثقافة العربية.

أخشى ما أخشاه، أن «يتسمر» خطابنا الثقافي في الخليج والمتحدثون باسمه نحو وجهة «المراكز التقليدية» للثقافة العربية، وتبني قضاياها ومشاكلها وهمومها، وتراجيديتها السياسية، وصولاً إلى نظرة دونية لمجتمعنا وحاضره، واستنقاص لما تم فيه من تنمية مستمرة ومتنوعة المجالات، وبالتالي تفقد هذه «النخب» تواصلها مع مجتمعاتها القريبة، وتعيش بالفعل في أبراج عاجية، تراقب من خلالها دخان الحرائق البعيدة، ولكنها لا تستطيع أن تدرك ما يحدث تحتها من حراك وبناء.

لعله من الضروري إذن القبول والاعتراف بمبدأ التفاوت والاختلاف في عالمنا العربي (وأتحفظ على تسميته وطناً) ونسخه المتمايزة من الثقافة العربية، وليس في ذلك ضير ولا ضرار. فالأمم والشعوب المتحدثة بالإسبانية بينها من التفاوت ثقافة واجتماعاً واقتصاداً واستقراراً سياسياً أكثر مما نجده بين الشعوب المتحدثة بالعربية. فلماذا نعتبر هذا الاختلاف والتمايز والصعود والنزول بين دول وشعوب يجمعها لسان واحد أمراً مشكلاً؟ خصوصاً أن الأمر ليس بجديد علينا من الأساس، فقد شهد تراثنا الحضاري عبر تاريخه الممتد وجغرافيته الواسعة اختلافاً وتمايزاً أكثر بكثير مما نشهده اليوم. فكما أنه من المهم أن يكون لدينا اهتمام وتعاطف ومتابعة نحو ما يحدث لمن نشاركهم لساننا العربي، وتراثنا الحضاري، فكذلك من الواجب أن تكون لدينا نظرة موضوعية تقرأ الوقائع وتمايز بين الأوضاع المختلفة، وترصد الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي فرضها التاريخ والجغرافيا لتجعل من واقع هذه الثقافة العربية متنوعاً وبنسخ مختلفة.

نقلاً عن مجلة "اليمامة"

قبل أن تذهب