مباشر

مَن يتآمر على مَن في العراق؟

فاروق يوسف
نشر في: آخر تحديث:

رجل أمن ملثّم يحرس بوابة الدخول إلى مبنى المجلس الأعلى للقضاء في بغداد أثناء اعتصام مناصري التيار الصدري أمامه. (أ ف ب)
رجل أمن ملثّم يحرس بوابة الدخول إلى مبنى المجلس الأعلى للقضاء في بغداد أثناء اعتصام مناصري التيار الصدري أمامه. (أ ف ب)

حين أُقيم النظام العراقي الحالي منذ قرابة عشرين سنة كانت فكرة المؤامرة واحدة من أهم مفردات معجمه المحلي. فالأحزاب والتنظيمات السياسية التي جرى تجميعها على عجل وبطريقة عشوائية من جانب دوائر الاستخبارات الأميركية والبريطانية كان بعضها يبغض البعض الآخر بسبب عشرات السنين من الشبهات والاتهامات المتبادلة. غير أن الأميركيين وجدوا في المنافع المشتركة نوعاً من الفخ الذي سقط الجميع فيه فاتخذت حروبهم يومها طابعاً اقتصادياً.

ذلك لا ينفي أن كل طرف كان يعتقد أنه الأحق في التركة وصار يتعالى على الأطراف الأخرى باعتباره صاحب اليد التي جلبت "الرزق" للجميع، وهو سبب كافٍ لكي يحظى بمكانة لا تُمس ولا يُسمح للشبهات بأن تحوم حولها. وهو ما تعبّر عنه الحالة المرضية التي تلبست زعيم حزب "الدعوة" نوري المالكي الذي سمحت له سلطته المطلقة أثناء ولايتيه في الحكم ما بين 2006 و2014 بإنفاق مئات المليارات (بالدولار الأميركي) من واردات النفط العراقي على مشروع إحكام قبضته على حزبه والطبقة السياسية الموالية له تمهيداً لما كان يعتقد أنه حكم طويل الأمد، يقوم على أساس إلقاء الجميع في بيئة تآمرية تتم تغطية نفقاتها من أموال الشعب العراقي.

من شأن تلك البيئة أن تبقي الجميع في حالة ضعف مقابل زعيم واحد قوي. ولولا هزيمة الموصل وتداعياتها الكارثية عام 2014 لما غادرت الطبقة السياسية المنحى التآمري الذي رسمه لها المالكي لتدخل في احترابات، بعضها كان خفياً فيما كان البعض الآخر معلناً، من خلالها يمكن التعرف الى الطبيعة المركبة والساذجة في الوقت نفسه للعقل السياسي التآمري الذي يحكم العراق ويلعب الدور الأعظم في استمرار النظام السياسي رغم وهنه الذي هو سمته الأبرز.

كانت واحدة من أهم مفردات ثقافة الاحتلال تقوم على أساس تسفيه نظرية المؤامرة وصولاً إلى التركيز على نظرية تفيد بأن كل ما جرى للعراق هو من صنع النظام السابق. تلك نظرية لا تخلو من الحقيقة. غير أنها كانت حقيقة ناقصة ومضللة. فلا أحد حتى لو كان من المغرمين بطريقة ساذجة بالنظام السابق يمكنه إنكار مسؤولية ذلك النظام عن الوضع الرث الذي انتهى إليه العراق، ولكن أن يعالج ذلك الوضع من طريق الغزو والاحتلال وتهديم الدولة العراقية وحل الجيش العراقي وإحلال نظام طائفي خبيث محل نظام وطني أحمق فتلك جريمة لا يمكن سوى أن تكون حقيقة كاملة من غير ثغرات هي في حاجة إلى ملئها من طريق الزج بالأخطاء الكارثية التي ارتكبها النظام السابق وبالأخص ما حدث في زمن حكم الرئيس الراحل صدام حسين.

الاحتلال جريمة لا يمكن أن تحدث إلا في سياق مؤامرة لا تهدف إلى إسقاط النظام السياسي وحده، بل وأيضاً إلى تدمير الدولة كاملة وإلحاق أكبر ضرر ممكن بالثوابت الوطنية، وهو ما حدث فعلاً بعد عام 2003. وكانت الأحزاب العراقية التي التحقت بالمحتل قبل الغزو على دراية كاملة بالجزء المسموح بمعرفته من تلك المؤامرة التي بدأت مع قانون تحرير العراق الذي أقره الكونغرس الأميركي عام 1998. يوم كانوا معارضين هلل زعماء العراق الحاليون لصدور ذلك القانون ولم يأخذوا في الاعتبار حقيقة أن العراق دولة مستقلة ذات سيادة. كانت المؤامرة قد بلغت يومها ذروتها في انتظار التنفيذ وقد وضع الكثيرون أنفسهم في خدمة تلك المؤامرة، بل كان بعضهم يعتز بلقب "متآمر" إذا أُطلق عليه لأنه كان يوهم الآخرين بأن تآمره هو من أجل الشعب العراقي ومصيره الذي دمرته الحروب.

لم ينجُ طرف من الأطراف المشتركة في العملية السياسية من مؤامرة، صغيرة أو كبيرة. دفع بعضهم ثمناً باهظاً للتآمر عليه فذهب إلى السجن أو فر بنفسه خارج العراق معترفاً بخسارته في سباق المؤامرة، وهو ما حدث لشخصيات كانت تتصدر المشهد ممثلة لما يُسمى بـ"المكون السنّي"، وهو اختفاء قسري قابله اختفاء لشخصيات من الجانب الشيعي، وفي الحالين كان التهديد بفتح ملفات الفساد هو السيف المسلط على الرقاب. غير أن اللجوء إلى ذلك التهديد لم يكن الغرض منه الانتصار لسلطة القانون بل جرى استعماله إما للتخلص من فضيحة هي في طريقها لإفساد الجو العام أو للدفع بشخصيات جديدة هي أكثر ملاءمة لمشروع الأحزاب الكبرى في التفرد بالسلطة بكل ما تجلبه من منافع وامتيازات.

وما يشهده العراق اليوم يمكن اعتباره فصلاً من فصول المؤامرة التي تتمحور مظهرياً حول التدافع على السلطة، غير أنها في الداخل تضم جهات لا تمارس العمل السياسي وهي حذرة من الاقتراب من السلطة خشية أن تحترق بنارها. تلك جهات توفر لها السلطة غطاء معتماً للقيام بنشاطاتها غير القانونية بواجهات دينية واقتصادية وخدمية.

ولأن طرفي المؤامرة شيعيّان هذه المرة فإن تلك الجهات صارت تشعر بخطر اقترابها من الموقع الذي تكون فيه مضطرة إلى أن تظهر على السطح لمنع الصدام العلني بين الطرفين اللذين قد يفني أحدهما الآخر حين يبعده من السلطة. لذلك يمكن القول إن الطابع التآمري الذي تميز به النظام السياسي في العراق قد يكون سبباً رئيساً في انهياره إذا ما تم رفع غطاء السلطة عن الجهات الخفية الداعمة لاستمراره.

*نقلا عن النهار

قبل أن تذهب