مباشر

نزاع بين الإقتصادين الريعي والتنموي

ثامر الهيمص
نشر في: آخر تحديث:

بات واضحا ان التحاصص وصل الى طريق مسدود , وجميع مفاتيح الاطراف غير جاهزة لفتحه ولا اغلاقه نهائيا , ولا شك ان الفاعل الاقتصادي هو سدى ولحمة النزاع العمودي , مادام البرنامج او الرؤى الاقتصادية غائبة عن طاولة البحث ’ حيث بات الثقل السياسي هو من يشير الى لابعاد لا زالت تتبلور حسب ظغط جمهور المصلحة العامة ’ اذ انه يدفع بالحد الادنى لعدالة منشودة.

فالاقتصاد الريعي يتفاقم على حساب الاقتصاد التنموي عادة ما يتقاطعان اذ تتحول الدولة النفطية كما مألوف الى بقرة حلوب طيعة لمن يمسك بقرونها لحين الاستتبات القانوني او الدستوري الذي ينظم العلاقات ’ بحيث يصبح جباية الضرائب ومستحقات الدولة من الخدمة العامة ترف بيروقراطي يمكن تقزيمه لاعتبارات سياسية.

وينجم عن ذلك كمنتج رئيسي تدمير دوائر التمويل الذاتي مثلا. فان الدولة النفطية تجنح في تطورها جنوحا يشوه مؤسساتها , ويضعف قدرة هذه المؤسسات , وان التساوم الاولي بين شركات النفط الحريصة على ضمان على مصادر جديدة من النفط الخام, وبين الحكام المحليين التواقين الى ترسيخ القواعد المؤيدة لهم يخلف وراءه – مهما كانت الفوائد المتبادله عند الطرفين- ارثا مريرا من المركزه الشديده للسلطه السياسيه ’ وشبكات التواطئ. (تيري لين كارل / معهد الدراسات الستراتيجيه/ص/11 / 2007).

من هنا ينشأ التمسك باقتصاد الريع الذي يدفع باتجاه فرز طبقي حاد اذ تصبح الزبائنية بديلا عن اطارات المصلحة العامة , لتنحصر بمناصري الاقتصاد الريعي اي جمهور الاستيراد الذي يحاول سحب المجتمع لثقافة استهلاكية باذخة من المولات والسياحه ومواد استهلاكيه اغلبها كان العراق ينتجها ’ لتتوقف مباشرة بعد التعويم التاريخي منذ بريمر وحقبته كمؤسس.

فمثلا وصلت ارباح السفارة التركية من رسوم التاشيرات السياحية فقط الى واحد مليون دولار يوميا اي 22مليون دولار شهريا , هذا ما تنشره الصحافة العراقية وبتفاصيل , فحسب وزارة السياحة التركية فأن قيمة الانفاق الكلية للزائرين العراقيين خلال الربع الاول من السنة الحالية بلغ 192مليون دولار , هذالاتجاه وما يماثله تمأسس في الداخل العراقي والداخل التركي , وهكذا غيره من المصدرين صناعيا وزراعيا واستهلاكيا وسياحيا. ناهيك عن عمليات التجنيس والاقامة لقاء شراء العقارات هناك , هذه ابرز التشوهات الناجمة عن الانفتاح الضد النوعي للتنمية حيث تشكل بديلا عن جميع فقرات العلاقة المشوهة مع جار تاريخي مستجيبا مستفيدا ولا لوم عليه الا في فقرة ملف المياه اذ تم تجاهل الامر من الطرفين كون الامر لا يمس مكرسي الريع , بل كان الضحية هو مجتمع التنمية الصناعية والزراعية والخدمية , ليتم معالجتها بالبيانات الخجولة رسميا. اما من يدعون القرب مع الجيران فأن التنمية المستدامة من خلال قطاعاتها الثلاثة الزراعية والصناعية والخدمات حيث ضرع النفط مدرارا , ولذلك كانت الاختلافات ليس بسبب اليات النمو او التنمية , التي ترفع مستوى الاغلبية الصامتة والناطقة من شرائح المجتمع. من خلال التصنيع وحماية المنتج العراقي الذي يحبو ونخشى عليه ان يتراجع جالسا بفضل سياسات الاغراق في الاستيراد والمنافذ المشرعة , فبعد مثلا انا اكتفينا من السمنت الان تتزايد الشكوى بفضل تهريب او دخول سمنت مدعوم من دول الجوار كون كلفة الكهرباء واطئه او تواطئ لاسعار لحين شل السمنت العراقي. والكهرباء الوطنية مشلولة للعقدين المنصرمين , والادهى ان الامر ليس لاسباب فنية او مالية , ليصبح السؤال حزوره. كونها اي الكهرباء ام القطاعات الثلاثه وعصب الحركة التنموية؟.

بالمقابل تضخم الجهاز الاداري ليمتص بشكل مشوه زخم البطالة بواسطة الوفرة النفطية لدرجة غير معقولة وفق ابسط المفاهيم , وهذا التضخم صاحبه وواكبه منذ البدء تورم في الدرجات الخاصة وخارج ضوابط الوظيفة العامة بجميع تجلياتها من الراتب الى التقاعد الى مدة الخدمه وصولا للاختصاص والامتيازات الاستثنائيه , هذا افراز طبيعي لاي اقصاد ريعي رغم العلم بان دوام الحال من المحال ’ اذ النفط لا يحدده عرض وطلب بل السياسه الدوليه , فالمراهنه عليه خاسره لانه ضد نوعي لامكمل للتنميه بحيث يمولها مؤسساتيا ’ لان المؤسسه الاجنبيه والمحليه سيذوبان في التنميه والتجربه الاولى كانت ولازالت هي التجربه النرويجيه الاستثناء الذي يثبت القاعده , ولا يفوتنا ان التجربه الايرانيه رائده في كيفية ادارة مواردها النفطيه رغم الحصارات الا انها لا زالت تغذي البنيه التحتيه لصناعتها وزراعتها وخدماتها , لتقف شامخة امام تحديات الداخل والخارج اقليميا ودوليا , انها قدوة اقتصادية لمن يقتدي , ولا يسمى اقتصادها ريعيا اعرج , بل تنمويا مستدام وهذا سر قوته الاقليمية والدولية كما نشهد.

ولكن بما ان مرحلة الصيرورة لها عثراتها وقفزاتها لابد ان تضع حدا لما يمكن للعقل ببعد النظر لتدارك امورا لم نعرف مدياتها اقليميا ودوليا , كما ان ما حصل من امكانات ودفاعات مضادة للتنميه كهدف وحيد لمواجهة البطالة والفقر اذ اثبتت التجربة ما يكفي لو ضع حد لتراكمات تصعب مع الايام نتائجها.

فرغم الوفرة المالية لا يتوقع ان تكون بلسما لجراح المراحل الاخيرة والاولى ’ اولا انها غير كافية سواء في مخزون الذهب او محتويات الصندوق السيادي , وهنا تأتي التنمية بمعناها العام اي تبدا من تصنيع النفط والغاز كطاقة عراقيا لتحرك عجلتي الصناعه في القطاعات الثلاث الزراعي والصناعي والخدمي كما تحرك تحديث الزراعة بعد كهرباء وطنية حقيقية بامكانات فنية عراقية وادارة بمستوى المرحلة ’ يواكب كل هذا اقرار قانون النفط والغاز وقانون الخدمه المدنيه لادارة مالية مركزية كمرحله ماقبل اللامركزيات المجربة للفترة السابقة التي لمسناها كتجربة لا نحسد عليها.

هذا من حيث المبدأ , كون الاسباب والدوافع والحوافز معروفة امام الزيادة السكانية التي يواكبها البطالة والفقر ’ التي لا يفك اسارها العقود والترهل الاداري وحركة الملاك والزبائنيه , بكل الاحوال اما جدول الفقر فانه غير ملبي كما انه بات ليس من اولويات المتحاصصين على اية حال من الاحوال.

من هنا يكون المفاوض العراقي متسلحا في ملف المياه وغيره من الملفات الاقليمية والدولية ’ التي تتعاظم الان امام تعدد الاقطاب الدولية والاقليمية الشرهة والمستعجلة , اذ لم يعد في القوس منزع. فتعدد الخنادق يخدم فقط تعدد الاقطاب الدولية والاقليمية حيث تنفرد العصي من رباطها.

نعم التنمية والديمقراطية والقانون هي الادوات وينبغي ان ترتكز على قاعدة التسامح الافقي والعمودي وهذا شعار السلميين عادة.

*نقلا عن المدى

قبل أن تذهب