مباشر

المعضلة الليبيّة: وللربيع ذيول!

محمد صلاح
نشر في: آخر تحديث:

أياً كانت تفاصيل الخلافات بين الأطراف الفاعلة على الساحة الليبية، لا تستغرب محاولات تنظيم "الإخوان المسلمين" الإرهابي الاستفادة من تدهور الأوضاع، والسعي إلى تأجيج الصراعات والخروج بمكاسب، سواء جرى حل المعضلات سلمياً بين الفرقاء الليبيين، أو تواصل القتال واستمرت الأوضاع نحو مزيد من التدهور، فداعمو الإرهاب اعتبروا دائماً ليبيا، منذ تفجر "الربيع العربي"، مخزناً للمتطرفين، ومن هناك انطلق الإرهابيون إلى الدول المحيطة لينفذوا عمليات القتل والتفجير والتفخيخ، (عملية الواحات في مصر مجرد نموذج). كما أن تدهور الأحوال الأمنية واستمرار التناحر هناك ظل على مدى سنوات يؤمن ملاذاً للفارين من بلدانهم والمطلوبين من الأجهزة القضائية، لتتكفل أجهزة الاستخبارات أو القبائل أو الفصائل أو الميليشيات بالمهمة وتخفيهم وتحميهم من الملاحقة.

صحيح أن "الإخوان" أنفسهم سعوا أولاً إلى ركوب موجة الحراك السياسي، بعدما تأكدوا من رغبة المجتمع الدولي بوضع حد للمواجهات، ووضعوا آمالاً في أن يتجه الحراك نحو الاستفادة من الدعم المعنوي الخارجي، لكن مع ظهور الرغبة الشعبية للخلاص من مأساة الاقتتال الداخلي وكتابة النهاية لوجود المتطرفين في السودان تغيرت البوصلة، وصارت الآلة الإعلامية للإخوان تعيد تكرار المفردات نفسها التي استخدمتها من قبل، بعد ثورة الشعب المصري ضد حكم "الإخوان" وإطاحة محمد مرسي، فالعسكر انقلابيون والثورة المضادة تسرق الحراك الشعبي، بلى وصل الأمر إلى حد اتهام الدول الراغبة في مساعدة الليبيين على التوصل لقواسم مشتركة تنهي الاحتراب الأهلي وتفرض السلم بالسعي إلى تغيير مسار الثورة، حتى صارت ليبيا لدى شعوب العالم مرادفاً دائماً لدعم الإرهاب وحماية "الإخوان" ومركزاً للتنظيمات الإرهابية الأخرى والسعي إلى نشر الفوضى وتوزيع الخراب وإسقاط الدول.

يكفي النظر إلى رد فعل "الإخوان" على حوادث ليبيا لتدرك إلى أي مدى صار هذا التنظيم يرتبط وجوده بالخراب والدمار ودماء الشعوب العربية. يخوض "الربيع العربي" معركته الأخيرة و"يستقتل" بهدف العودة مجدداً ليضرب المنطقة العربية، فحشد كل صناعه ومؤيديه وداعميه ومتآمريه، وقد جهزوا أدواتهم وأسلحتهم ومنصاتهم الإعلامية لتسخين الأجواء، وصب مزيد من الزيت على نار الفتنة. كالعادة اختار مخططو الفوضى ومحركو الفتن ومحترفو المؤامرات أن تكون ليبيا مدخلاً لفصل جديد لـ"ربيع" آخر يضرب ويخرب ويحطم ويفتت، بينما بقايا وآثار كوارث الثورات والاحتجاجات ما زالت تدور في دول أخرى، ومشاهد خيام الإيواء ورماد الحرائق لم تختف بعد. إنه "الكتالوغ" نفسه والمفردات ذاتها تعود من جديد، بينما يخشى من مروا بالتجربة، على ليبيا، ويخافون من مصير كارثي.

منذ ضرب "الربيع العربي" المنطقة، مثَّلت ليبيا بالنسبة للمتطرفين مجالاً حافلاً بأحداث ومحكات وتفاعلات رسخت من الاعتقاد بأنه سيدوم، وبعدما بدأت فضائح تنظيمات الإرهاب تظهر إلى العلن، سعى "الإخوان" إلى الانطلاق من ذلك الماضي نحو مستقبل روجت له منصاتهم طويلاً وحلم به التنظيم الدولي لـ"الإخوان" كثيراً، لكن ذلك المستقبل تهدد وتأثر بفعل ما جرى لـ"لإخوان" في مصر، وكذلك مواقف وسياسات الدول المناهضة للارهاب، ويبدو أن ذيول ذلك "الربيع" ما زالت "تلعب" وتأبى أن تستسلم في معركتها الأخيرة.

مؤكد أن معضلات وأزمات ومشكلات واجهت "الإخوان" وكل التنظيمات الإرهابية الأخرى بفعل رحيلهم عن حكم مصر، والإجراءات التي اتخذتها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات لمواجهة إجرام "الإخوان"، لكن الفشل الإخواني لم يقف عند هذا الحد، إذ جاءت التطورات السياسية في ليبيا ومعاناة الجماعات الإرهابية هناك، لتكتمل الصورة وتضرب حاضراً ظل التنظيم يعتمد عليه في تهديد الدول المجاورة، ومقايضة دول الساحل الأوروبي على المتوسط، والمؤكد أيضاً أن محاولات إشعال الفتن في ليبيا لن تتوقف وستواصل الآلة الإعلامية الإخوانية السعي نحو خراب ليبيا، فهذا هو "الكتالوغ" الذي اعتمدته جماعة "الإخوان" من قبل في مصر ودول أخرى، وأصبح الناس على يقين بأن تلك الجماعة الإرهابية وكل الدول والجهات التي تساندها تعتمد نظرية تقوم على حكم الشعوب أو قتلها. أبرز ما أفرزته الأحداث الأخيرة في ليبيا وهدوء الأوضاع في مصر وغيرها من الدول التي عجز "الإخوان" عن إسقاطها هو رسوخ الاعتقاد لدى عموم الناس في مختلف البلدان بأن السير خلف "الإخوان" لن يجني سوى الخراب، وأن الإخوان لن يكونوا أبداً حلاً لأزمات أي وطن، وأن المعضلات الحقيقية التي تواجهها الشعوب كالحريات والفساد والفقر والظلم وغياب الآمال في مستقبل أفضل لا يمكن أن تحل إلا إذا غاب "الإخوان" أولاً عن المشهد، لتتفرغ الشعوب بعدها لخوض معارك التنمية والحرية ومواجهة الفساد وتحقيق الاستقرار. فطن الناس جيداً في بلدان عدة إلى أن ما تسوق له المنصات الإعلامية الفاسدة لم يكن قط في مصلحتهم، وإنما جزء من خطة كبيرة لتغيير خريطة المنطقة لمصلحة دول وجهات وجماعات وتنظيمات وعدتهم بالحياة عن طريق القتل!!

*نقلا عن النهار

قبل أن تذهب