مباشر

ما وراء الخيارات الروسية الكبرى

طارق فهمي
نشر في: آخر تحديث:

نقطة ومن أول السطر، بعد إعلان الرئيس بوتين ضم المناطق الأوكرانية الأربع، وهو ما يعد أول تقسيم جديد للحدود الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية، ستستبق الخيارات العسكرية الخيارات السياسية في كل السيناريوهات. روسيا ماضية في مخططها العسكري بالكامل في ظل الترتيبات الأمنية والإستراتيجية الجديدة التي ستفرضها موسكو، وستتخذ من جانب واحد مقدمة لما هو قادم من سيناريوهات، وهو ما يشير إلى عالم جديد يتشكل، وسيناريو ضم القرم، وقبول الدول الأوروبية به ضمناً سيتكرر بعيداً عن الرفض الأميركي والغربي لقرار ضم المناطق الأربع، خاصة أن حلف «الناتو» ضعيف، ومنقسم وليس لديه بدائل حقيقية سوى فرض منظومة جديدة من العقوبات. واللافت في المشهد الراهن هو ارتباك الولايات المتحدة، وعجزها عن اتخاذ قرار منفرد، ومسعاها لإجراءات متعددة قد تبدو متناقضة مع دول حلف «الناتو»، حيث سينتظر الرئيس بايدن نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الذي قرر تخصيص 12 مليار لدعم أوكرانيا. والسؤال هل يمكن لروسيا استخدام النووي في ظل تسلسل الأحداث العسكرية؟ والإجابة بالتأكيد في ظل قدرتها على ضرب مواقع غير مأهولة، أو ضرب مواقع عسكرية محددة من دون إصابات كبيرة.
لكن اللجوء لسيناريو ضرب المدن الأوكرانية مستبعد تماماً على الأقل في الوقت الراهن مع عدم وجود بوادر لتكرار أزمة كوبا للتقارب بين الإدارة الأميركية وروسيا، لاعتبارات تتعلق بالتعامل مع الجانب الروسي، وتحذير دول غربية، وعلى رأسها فرنسا من مخطط تركيع روسيا، فهذا الأمر لن تقبله الإستراتيجية العسكرية الروسية. ولعل ما هو قادم مرتبط بإقدام روسيا على مزيد من الخطوات الانفرادية، وليس مستبعداً أن تقدم على ضمانات مناطق أوكرانية أخرى لاستكمال الفضاء الروسي الجديد، حيث لا تملك الولايات المتحدة خيارات كثيرة في التعامل مع هذا الأمر، خاصة في ظل حالة الانقسام داخل دول الاتحاد الأوروبي، مما سينعكس على أداء وتوجه دول الناتو، كما أن إمداد أوكرانيا بمزيد من الأسلحة، سيؤدي لنتائج خطيرة على الأمن الأوروبي، وسيصبح مستهدفاً من روسيا في الفترة المقبلة إنْ خرج عن الإطار الراهن لمساحات من التباين رغم أن إدارة بإيدن لن تقبل دخول دول جديدة الناتو، ورفضت ضم أوكرانيا في هذا التوقيت تخوفاً من تصعيد روسي محتمل يدفع بقوة في اتجاهه القوميون الروس، حيث سيمارسون الضغط على الرئيس بوتين لاتخاذ إجراءات جديدة لتأمين الحدود الروسية، وإعادة رسم الحدود الأوروبية- الروسية.
يتسق التصعيد الجاري مع تفاصيل ما تقره العقيدة النووية الروسية على أن القيادة الروسية يحق لها استخدام السلاح النووي في حال تعرض أراضي الدولة لأي اعتداء، أو خطر يهدد أمنها وسلامتها. فقد يكون الخيار صفر أو الملاذ الأخير أمام روسيا هو إعلان الحرب الشاملة على الطريقة الروسية، وهناك تقييم غربي مطروح بأن الرئيس بوتين يريد إنهاء الحرب بعد أن استوفت روسيا متطلباتها الأمنية. ولننتظر لنرى عالماً جديداً ستحكمه ضوابط ومعايير جديدة واستقطابات، ودوائر نفوذ وتحالفات معقدة، كما سيدخل العالم مرحلة جديدة من الصدامات المتوقعة، وستشمل المواجهات دولاً أوروبية أخرى، والأمر يتجاوز التخريب الراهن لخطوط الغاز لاستهداف الكابلات الإلكترونية، وخطوط النفط والاتصالات، ومجالات أخرى متعددة، وسيفتح بنك الأهداف الإستراتيجية على الجانبين.
عالم جديد يتشكل، والوصول لعالم متعدد الأقطاب سيبقى هدفاً روسياً، مع التأكيد على أن الشرق الأوسط سيكون على رأس الأقاليم التي ستتأثر …الأمر لن يكون مقتصراً على تأمين خطوط الغاز، والنفط وسياسات «أوبك بلس»، وتوفير الطاقة لأوروبا، وإنما إعادة ترتيب المصالح والسياسات الكبرى، وهو الأهم في المديين المتوسط والطويل الأجل.
* نقلا عن "الاتحاد"

قبل أن تذهب