الشيخ عبدالله السالم.. بين المثير والمفيد
كان المرحوم الشيخ عبدالله السالم مهندس الاستقلال متشبعاً بالوعي الأمني، مدركاً للأخطار التي يحملها المستقبل ضد الكويت، منسجماً مع واقعية القرارات التي عليه اتخاذها لصون استقلال الكويت، والحفاظ على سيادتها، ومنسجماً مع قرارات الجامعة العربية بقطع الترابط الكويتي الأمني مع الدول الكبرى وحصره فقط في مجرى الجامعة العربية، الأمر الذي حمله لاتخاذ قرارين تاريخين مهمين: سحب القوات البريطانية من الكويت، والترحيب بالقوة العربية البديلة.
ومن هذا الواقع تعايش الشيخ الجليل مع آلية برلمانية تؤمن الحشد الشعبي الكويتي، وتشحنه في رفض التطاول والتمسك بالكويت دولة عربية مستقلة، متصدياً للتجاسر العراقي في ادعاءات قاسم، وواثقاً من المبايعة الشعبية الطاغية، مؤمناً بأن المبايعة الجماعية الشعبية لقراراته ستؤمن الدعم العالمي ومساندته لاستقلال الكويت، ومقتنعاً بضرورة صياغة دستور ينطق بقوة في فعالية الإجماع الشعبي في التمسك بالاستقلال.
وبهذا الهدف الوطني السامي، تمت صياغة الدستور الذي خرج متضخماً في تعبيراته، ومتوغلاً في تفاصيله إلى حد الإرباك، لا سيما في إجراءات الاستجواب ومظاهره الاستعراضية من المستجوب ومن يرد عليه، في مشاهد غريبة على وقار التقاليد الكويتية، فضلاً عن دورها في الانقسامات والتباعدات.
ورغم هذه الأثقال، فقد تقبل المجلس التأسيسي مشروع الدستور الذي خرج بصيغة تحمل الكثير من المثير الذي طغى على ما فيه من المفيد، الذي يتمثل في المبادئ التي جسدها الدستور في الوحدة الوطنية، والتزام الاستقلال وتجذير السيادة، وتأمين الوحدة الوطنية الجامعة، وتحفيز المشاركة الشعبية في القرار الوطني.
وفوق ذلك، وفر الدستور مساحة واسعة للاجتهادات في الرأي وفي تنوع المواقف، اعتماداً على أن المناقشات تؤدي إلى الوصول إلى وحدة المنظور حول خطط المستقبل وحول إدارة الدولة، لكن الذي تحقق مع الممارسة هو تضخم دور المعارضة في تبني توجهات شعبوية في برامج التنمية، وأيديولوجية في السياسة، وفئوية وطائفية تسللتا إلى جسم الوحدة الوطنية، وترعرعت نزعة المعارضة بأولوياتها في تحقيق أفكارها، ومنها جاءت تحولات خرجت من الممارسة بواقع معارض لمجرى الحكومة ومجادل لبرامجها وساع لإفشال جهودها، ومتناقض مع توقعات الشيخ الجليل.
لا أشك في أن فشل اجتماعات المجلس في الأسبوع الماضي خرج من مواقف تريد المعارضة فرضها على الحكومة التي ترى فيها إسرافاً مؤلماً لخزينة الدولة وغير عادل في نتائجه وملغماً في أهدافه التي توفر للنواب فوزاً في لعبة المعارضة، فموضوع إلغاء القروض ليس من أولويات الدولة، ولا ينعم بالإجماع الشعبي، ولا يتمتع بالحماس الجماعي مع آلام تتعرض لها خزينة الدولة وتولد سابقة تهدد الوضع الصحي المالي للدولة، وستكون سابقة تفتح أبواب المستقبل وستتضخم مع الزمن.
ولم يكن أداء الحكومة مؤثراً في جاذبيته، ولا في نتائجه، كنا نتمنى حضور سمو رئيس الوزراء ليتحدث بقوة، متوجهاً في كلماته إلى الرأي العام الكويتي الذي أغلبيته تسانده وتشيد بحرصه على المال العام، وتتوقع منه أن يظهر أمام البرلمان بحسن قيادته ووضوح خطته والتزامه بمبادئ الدستور، لا سيما الوحدة الوطنية التي تشكل العمود الفقري لسلامة الكويت.
لم تقتنع الأغلبية من أبناء الشعب بالترتيبات التي اختارتها الحكومة لمعالجة موضوع إسقاط القروض، فحضور وزيرين حاملين طلب الحكومة التأجيل لا يتناسب مع الأبعاد المالية والسياسية والأمنية التي يحملها هذا البند، كان الأجدى التواجه الجماعي مع التعبئة المضادة الواعية لمخاطر إلغاء القروض، ولم يتأخر النواب في اقتناص غياب الوجود الحكومي الثقيل، فتبرع البعض باستجواب مستقبلي لرئيس الوزراء، وآخرون لوزير المالية، لكن الأغلبية النيابية خرجت مبتهجة بالفوز وتمتعت بفشل التأجيل وبما يزيد من حدتها في المسار النيابي المستقبلي.
كانت هناك مسؤولية بارزة لم يلتفت إليها رئيس المجلس السيد أحمد السعدون، الذي كان عليه واجب التحرك نحو مخرج مقبول للطرفين، يمس ترتيبات تفتح مجدداً مسار التعاون، مع الحرص على الحفاظ على مجالات التفاهم بين جميع الأطراف، وبالطبع فإن من أبجديات واجبات الرئيس، وفي أي محفل، وفي كل مكان، الحرص على مجالات التعاون، والحفاظ على الجسور مع كل الأطراف، فعندما يميل الرئيس تجاه تجمع ما، أو تبدو عليه مناصرة طرف من بين الأطراف، فمن دون شك يخسر مصداقيته ويحرق الجسور ويفشل في واجباته، ومع ذلك، فبعد فشل جهود التفاهم، يتجدد الأمل بشيء من التحول قبل لقاء الاستجواب يوم 24 يناير..
ومما يلفت النظر حدة التعبئة المضادة لغرفة التجارة التي لا تخلو من مضار التحريض ضد الغرفة التي صورها بعض النواب كشبكة تتآمر في سراديب المبنى على طموحات الشعب وتحتكر حقوقه، وعلى الحكومة أن تعالج هذا المنحى بأبعاده الخطرة على استقرار البلد وعلى وحدته التي هي منبع الحياة في هذا الوطن الصغير.
كان مقترح تأجيل المناقشة حول القروض واستئناف المداولات للتوافق عليها سليماً، فلا مبرر للاستعجال في ملف لا يتمتع بالإجماع، وفيه استنزاف للمحفظة المالية، ويحمل إمكانية التوافق إذا ما تم ترويض الحماس الذي يحمله النواب.
لا أشك في أن العقلاء من الطرفين يتابعون مجرى الاتصالات مع الإدراك بأن الساحة لا تستوعب تدوين الشروط وفرضها على أي طرف، مع الابتعاد عن التسخين الإعلامي والمفرداتي، فلا فائدة تجنيها الكويت من حل المجلس، ولا من التباعد بين الطرفين، فالمشكلة ليست في مجلس اليوم، وإنما في الدستور الذي يقدم لخمسين عضواً منتخبين نسخة واسعة لمعارضة الحكومة وتبني الغلاظة، تأميناً لتحقيق رضا الناخب، كل ذلك لأن الحكومة ليس لها نصير سوى وزرائها، فالدولة لا تنجز ولا تتقدم من دون دعم ومساندة برلمانية، ونظام الكويت ودستورها لا يضمنان لها الدعم، والحل ليس في حل البرلمان وإجراء انتخابات لاحقة، لأن الوضع يتكرر منذ عام 1964.
ستظل الكويت تمشي بخطوات سلحفاتية وتنطلق مجدداً عندما يقتنع الرأي العام بأن الدستور يشكل الآلية الفاعلة لإدامة الوحدة الوطنية واستنهاضها للحذر من غياب الاستقرار الإقليمي المعبأ دائماً بالمخاطر، كما أن الدستور يجسد الشراكة في إدارة الدولة بين الشعب والشرعية الدستورية، وتجميده يحرم الكويت من فضيلة الإجماع المؤتمن على سلامة الوطن، والواضح أن هناك حاجة إلى تشكيلات سياسية داخل البرلمان تسهل مسار الحكومة عبر الحوارات والتفاهمات وتغلق أسلوب استرضاء النواب بالقرارات الشعبوية أو بمكافآت صامتة.
سيظل الكويتيون مستمرين في الجدل عن مسببات تعطل المشاريع وتصاعد المعوقات، ربما جاء كل ذلك من مبالغات في الطموحات تأتي من أقلية أو من النواب، يطغى فيها المثير على المفيد، فالمثير يتحدى القوانين ويقترب من التمنيات، بينما المفيد يظل معطاء بلا إثارة ومن دون مجاملات، وبهذا المنطق جاء الدستور مفيداً بحجم الكويت، جامعاً في مبادئه، وبسيطاً في مظاهره، وحليفاً لكل مواطن، وناصحاً لكل حاكم.
نقلا عن القبس
اختيار المحررين
-
شكوك حول امتلاكه مشاعر.. جدل علمي بسبب الذكاء الاصطناعي علم منذ ساعة -
العراق يستعيد هيبة الدولة.. ويطلق معركة حصر السلاح والفساد معاً العراق منذ 3 ساعات -
في الـ 83 من عمرها.. مصرية تحقق حلمها وتنال الدكتوراه مصر منذ 3 ساعات -
56 حالة زائدة دودية في منطقة واحدة بالسودان.. لغز طبي والسلطات تحقق السودان منذ 4 ساعات