مباشر

وقفة ضرورية مع جمهور وسائل الإعلام

ياسر عبد العزيز
نشر في: آخر تحديث:

الفيلم اسمه ذا بريستيج The Prestige، وحين تمت ترجمته ليُعرض في العالم العربي كان اسمه العظمة أو الهيبة، وقد أُنتج في العام 2006، وأخرجه المخرج كريستوفر نولاند، مُقتبسا إياه عن رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب كريستوفر برست.وقصة الفيلم تتعلق بساحرين شابين يتنافسان على «العظمة» من خلال تأدية الألعاب السحرية الأكثر إثارة وإحكاماً وجذباً للجمهور، لكن ما يهمنا في أحداث هذا العمل المثيرة والمُتقنة ما قاله أحد السحرة الكبار لأحد البطلين المتنافسين بخصوص رؤيته لجوهر الصنعة أو سرها الذي يصنع الانبهار ويكرس مجد الساحر ويخلق أسطورته.

يقول هذا الساحر الكبير لتلميذه إن سر أي لعبة هو جوهر أهميتها وسبب استمرارها، وعندما يكشف أحد المنافسين، أو بعض أفراد الجمهور، هذا السر، فإن اللعبة تفسد، ولا تضحى صالحة للعرض، وتفقد قدرتها على الجذب، وبالتالي يجب أن تُستبدل بلعبة أخرى لم يُكشف سرها بعد.يبدو هذا الكلام منطقياً ومقنعاً في عالم السحر، ويبدو أيضاً كذلك في الكثير من مجالات العمل الإبداعي الأخرى؛ إذ يظل اكتشاف سر أي لعبة عاملاً حاسماً في إفقاد الجمهور التمتع بها أو الاقتناع بأهميتها.لكن ما يحدث في مجال الإعلام التقليدي والسوشيال ميديا في بلادنا يبدو بعيداً عن إدراك تلك المعادلة؛ إذ تنكشف أسرار النجوم البارزين وأصحاب الشهرة الطاغية، ويُمسي أصغر فرد من أفراد الجمهور مدركاً تماماً لسر ألعابهم الإعلامية، ومع ذلك، فإن المتعة تستمر، ومعها الاهتمام والرواج والعوائد المالية، التي تتدفق على اللاعب غير المُجيد وغير المعني بحماية أسراره في آن.

ومثل أي تاجر شاطر، يستطيع بعض الإعلاميين، والنجوم، وصُناع المحتوى على الوسائط الجديدة الآن أن يحققوا الأرباح الكبيرة والمُطردة من دون رأسمال تقريباً، وأدواتهم في ذلك شديدة البساطة والوضوح، وأسرارهم الإبداعية والمهنية مكشوفة ومفضوحة، بينما الجمهور يُقبل بنهم على البضاعة البائسة والفاسدة، بل ويجتهد في ترويجها وتكريس مجدها سيحدث ذلك مع المذيعة التي تنتصر للنساء وتحرضهن، أو زميلتها التي تُمعن في تحقيرهن مقابل تقديس الرجال، أو الممثلة التي تخلع الحجاب وتلبسه كل أسبوع مرة، أو المطربة التي تخلع زوجها ثم تستعيده وتتغزل في مناقبه، أو المذيع الذي يتحرك كبندول الساعة بين التأييد والمعارضة، وزميله الذي يتوقع تطورات الحالة الاقتصادية، ثم يُخطئ ويعود للتوقع تالياً، في حلقة مفرغة من الخطل واللامبالاة بالمهنة أو الحقيقة أو الجمهور.

والشاهد أن جمهور وسائل الإعلام في مصر يعد سببا من أسباب تردي أداء معظم هؤلاء ومجافاتهم للقيم والمعايير الأخلاقية والمهنية.

ومع الإقرار بمسؤولية الإعلاميين ووسائل الإعلام والهيئات الضابطة عن عديد المخالفات الإعلامية، فإن حالة التلقي لا تزال تلعب دورا جوهريا في تعميق المشكلة الإعلامية، ولأن مفهوم التربية الإعلامية لم يتأصل بعد في مصر، فإن قطاعاً كبيراً من جمهورنا لم يتعلم الطريقة المثلى للتعاطي مع وسائل الإعلام.إحدى أهم المشكلات الراهنة في مجال التلقي الإعلامي في مصر تتعلق بغياب السؤال عن المصدر.

ستجد عشرات ممن حولك يحدثونك عن أخبار وقعت بوصفها حقائق لا تقبل الدحض، وعندما تسأل عن المصدر، ستكون الإجابة فيس بوك، أو تويتر، وأحيانا «بيقولوا..»، أو «سمعت» يعد تغييب المصدر سلوكا شائعا بين أفراد جمهور وسائل الإعلام في مصر، بل إن عدم السؤال عن المصدر بات جزءا من أدبيات التلقي، وبالتالي فإن وسائط "التواصل الاجتماعي" مثلاً أصبحت تموج بالكثير من الإفادات التي يتم التعامل معها بوصفها أخبارا في وقت لا تستند فيه إلى أي سند. يتسببب ذلك في اختلاق الوقائع، وتشويه الحقائق، وترويج الشائعات، بل وأحيانا كثيرة يتم حرف اتجاهات الجمهور بصدد قضايا مهمة، ويجري اغتيال سمعة البعض، وتشويه آخرين، وإشعال الفتن، والتحريض على العنف، وتعميم حالة الكراهية، ما يفقد الجمهور الثقة العامة، ويأخذه إلى حالة من الارتياب والإحباط والشك.

ويشجع قطاع كبير من جمهور وسائل الإعلام في مصر الممارسات الحادة والمنفلتة بإقباله عليها وترويجها و"تشييرها" والحديث عنها وتعزيز أثرها، عبر استخدام وسائل الاتصال الجديدة.ورغم أن الجمهور ينتقد غالباً الممارسات الحادة والمنفلتة، ويعرب عن استيائه منها، ولا يعلن عن تعلقه بها ومشاهدتها وقراءتها؛ فإن الأدوات التي منحتها لنا تكنولوجيا التحقق من الانتشار في وسائل الإعلام الإلكترونية، وبعض الدراسات والبحوث الجادة، وشركات الإعلانات، باتت تؤكد أن هذا الجمهور "يتحايل" أحياناً، وأنه يقبل على مشاهدة الأنماط الإعلامية الحادة وقراءتها، ويستمتع بها، ويبقى معها مدة أطول، ويشجع الآخرين على التعرض لها.

«التربية الإعلامية» محاولة لترقية مهارات الجمهور في التعرض لوسائل الإعلام بطريقة سليمة من شأنها تعزيز قدرته على الاستفادة من المحتوى الإعلامي وتجنب أضراره، وهو مفهوم لا بد أن ندعمه.. على الأقل في مدارسنا وجامعاتنا.يصر قطاع كبير من الجمهور على انتقاد الممارسات الحادة والمنفلتة لبعض النجوم وصُناع المحتوى، ويُمعن في السخرية منهم، لكنه في الوقت نفسه يقبل على تلك الممارسات، ويكافئها بالحديث عنها ومشاركتها مع الآخرين.

نقلاً عن الوطن

قبل أن تذهب