قمّة العرب في عصر الكوارث!
اقتربت القمة العربية الـ32 التي ستعقد في 19 أيار (مايو) الجاري في السعودية، وبدأت وسائل إعلام عربية وغربية تكرر كلاماً كان يقال قبل كل قمة عربية عقدت من قبل، وتابعناه آخر مرة قبل قمة الزعماء العرب الأخيرة في الجزائر في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الماضي، وكانت الأولى بعد توقف طال ثلاث سنوات بسبب أزمة جائحة كوفيد-19.
حل لقاء الزعماء العرب والأمة في حال صعبة وأزمات لا يمكن أن تحلها قمة، لكن المؤكد أن الاتصالات واللقاءات الدبلوماسية التي سبقت القمة ساهمت في العودة إلى الحفاظ على دورية انعقادها، ويبدو أن ذلك صار أمراً إيجابياً بحد ذاته، إذ يعيش العرب على مدى نحو ثلاثة عقود كارثة حلت بهم وما زالوا يعانون آثارها وتداعياتها، ابتداءً من عدوان أميركا وبريطانيا على العراق واحتلاله في عام 2003 ونهاية بتدهور الأوضاع والاقتتال الداخلي في السودان، مروراً بأهوال الربيع العربي وكوارثه.
لم يدمر العدوان والاحتلال الأميركي للعراق نظام البعث العراقي فقط، بل دمر الدولة العراقية وخلق الظروف الملائمة لولادة "داعش" وأمثال ذلك التنظيم من المنظمات الإرهابية التي روّعت العالم العربي وحوّلته إلى منطقة ملتهبة، ومصدر لأزمة لاجئين عالمية تقضّ مضاجع البشرية.
وفقاً لموقع "إيكونوميست"، فإن حصيلة الأرقام الموثقة للخسائر البشرية والمالية التي سببها العدوان الأميركي على العراق، تشير إلى قتل مليون و455 ألفاً و590 شخصاً من العراقيين، ومن العسكريين الأميركيين 4801 جندي وضابط، ومن حلفاء العدوان الآخرين 3487 عسكرياً. أما الكلفة المالية للحرب على الغالب والمغلوب فبلغت تريليوناً و705 مليارات و856 مليون دولار.
وتقدر مصادر دولية أن خسائر الوطن العربي بلغت 830 مليار دولار، فضلاً عن الدمار في تونس وليبيا ومصر واليمن والعراق وسوريا.
نعم ثمة مرحلة من التاريخ العربي وصفت بعصر الضعف، ولكن الضعف الذي يشهده النظام العربي اليوم يحدث في عصر الكوارث التي تعانيها دول عربية، بينما تحرز أخرى مزيداً من التقدم والارتقاء.
العرب يحاربون العرب في اليمن وسوريا وليبيا والعراق، ومع أن الأصوليين الراديكاليين ومعهم تنظيم "الإخوان المسلمين" الإرهابي يشنون حربهم على الإنسانية باسم الإسلام، فإن 70% من ضحاياهم مسلمون، بينما العرب احتاجوا إلى وقت طويل للاتفاق على حسم قضية المقعد السوري!
ستلتئم القمة بينما الأوضاع في الأراضي الفلسطينية مشتعلة، ومن دون أن تتغير مواقف الأنظمة والحكومات العربية تجاه القضية الفلسطينية إلا نسبياً وبحسب الظروف والأجواء والتطورات الإقليمية والدولية، لكن من دون تأثير حقيقي. ضرب الربيع العربي القضية الفلسطينية في مقتل عندما وجدت إسرائيل الدول العربية مشغولة بهمومها الداخلية، والشعوب توزعت على خيام الإيواء أو تقاوم إسقاط دولها وتفتيت جيوشها.
اكتشف الناس بعد ذلك الربيع أن القضية الفلسطينية استغلتها دول وجماعات وتنظيمات وجهات، ساهمت وحرّضت على إسقاط النظام العربي كله، وعملت على ضياع دول أخرى غير فلسطين، وإشاعة الفوضى التي كانت إسرائيل أكبر المستفيدين منها، ناهيك بالطبع بنشر الإرهاب الذي ضرب البنية التحتية والمجتمعية لدول عربية وهدد أرواح مواطنيها الذين انشغلوا بمواجهة بذور الشقاق والخلاف والتشرذم.
وإذا كانت للأنظمة حساباتها التي عكست مواقفها تجاه القضية الفلسطينية على مدى عقود، فإن الشعوب العربية استنزفت، على مدى سنوات، بالعمل لحماية الأوطان من السقوط ومواجهة تنظيم "الإخوان" الدولي ودول وجهات تدعمه وجماعات إرهابية أخرى سعت إلى تأسيس دويلات إرهابية بغطاء من "الإخوان" الذين صدعوا العالم بشعارات "على القدس رايحين شهداء بالملايين"، بينما كانوا "رايحين" على مقاعد السلطة ومراكز النفوذ!
لذلك من غير المجدي جلد الذات بالحديث عن ردود الفعل العربية الرسمية تجاه الحوادث الأخيرة في الأراضي الفلسطينية، والمجازر الإسرائيلية في حق الشعب الفلسطيني، أو السخرية من الجامعة العربية، فقدرة العرب على التأثير محدودة إن لم تكن معدومة، أما الجامعة فمواقفها كمنظمة إقليمية عاكسة لقدرات الدول الأعضاء ذاتها وثقلها ومدى تأثيرها في المجتمع الدولي. أما المواقف الشعبية في الدول العربية فبقيت سبباً رئيسياً للحفاظ على توهج القضية الفلسطينية وإبقائها في بؤرة الضوء من خلال التعبير عن الغضب تجاه الممارسات الأميركية والإسرائيلية ورفضها.
ماذا جرى؟ وأين ذهب كل ذلك؟ لا تصدق إعلام "الإخوان" من أن الحكام العرب يمنعون الناس من التعبير عن غضبهم تجاه إسرائيل، فالكذب صار أسلوباً معتاداً لإعلام كهذا، ولا تلتفت إلى ادعاء قنواتهم من أن الأنظمة تشغل الناس بقضايا أخرى، فما يجري في فلسطين غير خافٍ على أحد، ولا يمكن لأي نظام حكم أن يشغل شعبه عن الجرائم الإسرائيلية والمواقف الأميركية، ولا تنخدع بالضجيج الإخوانجي، فما يجري في السر مفضوح ويغطي على محاولات المتاجرة بالقضية وافتعال مواقف تمثيلية للتغطية على تواطؤ ذلك التنظيم واستغلاله دماء الشهداء.
نعم دعك من الضجة التي يثيرها إعلام التحريض الذي تمارسه المنصات الإعلامية لتنظيم "الإخوان" الإرهابي ولجانه ومواقعه الإلكترونية التي لا تترك حادثة أو موقفاً أو إجراءً أو قراراً سياسياً إلا وسعت إلى استغلالها للإساءة إلى الدول العربية التي اتخذت مواقف حادة ضد التنظيم وتصدت لإرهابه، إلى درجة أنها صارت تُحمّل حكامها ومسؤوليها المسؤولية عن ارتفاع درجات الحرارة في الصيف وهطول السيول في الشتاء! أما رموز "الإخوان" فتكفي مشاهدة بعضهم وهم يتسكعون في أروقة المؤسسات الغربية لتحريضها ضد دولهم وشعوبهم وليس بحثاً عن الحق الفلسطيني.
صحيح ظلت الشعوب العربية، على مدى عقود، تلهث وراء أخبار فلسطين وتبحث عن سبل دعم القضية ومؤازرتها عندما كانت القضية الفلسطينية تحتل الأولوية في سلّم اهتماماتهم. لماذا لم تتكرر مثلاً مشاهد المصريين وهم يندفعون إلى الشوارع للتظاهر والاحتجاج، وهم الذين فعلوها عشرات المرات في سنوات سابقة احتجاجاً على كل قرار أميركي معادٍ للعرب أو مناصر لإسرائيل وغضباً من كل تصرف من الدولة العبرية ضد الفلسطينيين؟ لا تنس أن الإعلام المصري الرسمي والخاص كان يجيّش ويحشد الجماهير لتتبنى مواقف مناصرة للقضية الفلسطينية ومقاومة إسرائيل، مع كل جريمة إسرائيلية وتصرف أميركي أحمق، ولم تمنع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل القطاعات الشعبية ووسائل الإعلام على مدى عقود من التعبير عن مواقفها، وإن كبلت نظام الحكم أو الحكومة، ولم يتجاوب المصريون مع دعاوى التطبيع وظلوا يفضحون ممارسات الدولة العبرية، وهم الآن حائرون ما بين مأساة فلسطين وكارثة السودان وأوضاع العراق وحال اليمن وأزمة ليبيا ومستقبل سوريا، لكنهم أكثر تركيزاً في التصدي لحملات "الإخوان" وإرهابهم ومحاولاتهم طمس مصر وإسقاطها بعدما طمسوا من وجدان الشعوب حوافز التفاعل مع تعقيدات القضايا العربية الأخرى.
نقلاً عن "النهار"