مباشر

الثقافة الشعبية حضور يخجل منه النخب

ناصر الحزيمي
نشر في: آخر تحديث:

نحن حينما نتحدث عن الثقافة الشعبية إنما نتحدث عن ثقافة الأغلبية العامة من الجمهور الذي يمثل 95 بالمئة من التعداد فمنذ أواخر الدولة الأموية أصبحت العامية هي اللغة الدارجة في الحواضر، وأصبحت الفصحى هي لغة الدواوين وكانت شرطا لتولي المناصب والمهن التحريرية والفقهية خصوصا، وتصدر خطاب نخبوي أو شبه نخبوي يميز بعنف لفظي بين فئة وفئة أخرى من المجتمع، ولعلنا هنا من خلال هذه الأمثلة المحدودة نتصور واقع الحال:
((... قال معاوية لصعصعة بن صوحان: صف لي الناس، فقال: خلق الله الناس أطواراً، فطائفة للعبادة، وطائفة للسياسة، وطائفة للفقه والسنة، وطائفة للبأس والنجدة، وطائفة للصنائع والحرف، وآخرون بين ذلك يكدرون الماء ويغلون السعر.))
يقول الجاحظ: ((...فليس الكرم إلا الطاعة. وليس اللؤم إلا المعصية، وليس بجود ما جاوز الحق، وليس بكرم ما خالف الشكر. ولئن كان مجاوز الحق كريماً، ليكونن المقصر دونه كريماً.
فإن قضيتم بقول العامة، فالعامة ليست بقدوة. وكيف يكون قدوة من لا ينظر ولا يحصل، ولا يفكر ولا يمثل؟...))
وجاء في كتاب فوات الوفيات في ترجمة الشاعر ابن لنكك
(( ....روى ... أبو القاسم التنوخي قال: جلس ابن لنكك في الجامع بالبصرة، فجلس إليه قوم من العامة، فاعترضوا كلامه بما غاظه، فأخذ محبرة بعض الحاضرين وكتب من شعره:
وعصبةٍ لمّا توسّطتهم ... ضاقت عليّ الأرض كالخاتم
كأنهم من بعد إفهامهم ... لم يخرجوا بعد إلى العالم
يضحك إبليس سروراً بهم... لأنّهم عارٌ على آدم
كأنّني بينهم جالسٌ ... من سوء ما شاهدت في مأتم
فاعترضه ولده
وقال: يا أبتِ أبياتك متناقضة، ولكن اسمع ما عملت:
لا تصلح الدنيا ولا تستوي ... إلاّ بكم يا بقر العالم
من قال للحرث خلقتم فلم ... يكذب عليكم لا ولم يأثم
ما أنتم عارٌ على آدم ... لأنّكم غير بني آدم
.))
يقول أبو محمد ابن حزم :((وقد رأيت من غمار العامة من يجري من الاعتدال وحميد الأخلاق إلى ما لا يتقدمه فيه حكيم عالم رائض لنفسه، ولكنه قليل جداً. ورأيت ممن طالع العلوم وعرف عهود الأنبياء عليهم السلام ووصايا الحكماء، وهو لا يتقدمه في خبث السيرة وفساد العلانية والسريرة شرار الخلق، وهذا كثير جداً، فعلمت أنهما مواهب وحرمان من الله تعالى. ))
وكان هناك ريبة من السلوك العامي وخوف من استفحال تأثيره على الشارع المتلقي لكل ثقافة لهذا كثر ذم مجالستهم والتنديد والحط من سلوك وأفكار ولغة العامة يقول أبو حامد الغزالي في إحياء علوم الدين ((ولا تجالس العامة فإن فعلت فأدبه ترك الخوض في حديثهم وقلة الإصغاء إلى أراجيفهم والتغافل عما يجري من سوء ألفاظهم وقلة اللقاء لهم مع الحاجة إليهم))
ما أوردته هنا إنما هو أمثلة ونماذج وإلا فالشواهد كثيرة وجميعها تدعم وقائع تنمر وتعالي النخب على العامة، وهذه اللفظة من مرادفات السوقة والهمل والرعاع وغيرها إلا أن أخفها وطأة على الأذن وأشملها في الدلالة هو لفظ "العامة" وهذه الفئة مرتبطة ارتباطا عضويا بحالات الطيش والنزق والفوضى التي تنتاب المجتمعات والأمم في فترات الانحطاط والضعف لهذا هناك ارتباط بين صعود العقلية الخرافية وتفعيل التوتر السوقي وتبث الحياة في الخطاب الماورائي وتكثر مؤسسات الخرافة والدجل وينكفي على نفسه الخطاب العلمي والمستقبلي ويصبح الحضور لخطاب التطرف كما شاهدناه في سلوك بعض المؤسسات التي تبنت الدين كشعار ثم تورطت مع ما أنتجه العوام من أفكار متطرفة وظلامية لهذا سنجد أن كل من تحالف مع العوام "الصحوة" لابد وأن يصطدم بهم في يوم من الأيام.

قبل أن تذهب