الشباب العربي ومفهوم الدولة الوطنية
ما يتعرض له اليوم الأردن الشقيق يمثل احد احدث الامثلة لمعضلة مفهوم الدولة الوطنية الذي لم يرسخ لدى شريحة ليست بسيطة على حساب مفاهيم اخرى اصبحت مسلمات تستغل لتهديد امن واستقرار وحتى وجود الدول الوطنية. فعندما تستغل ساحات ومقدرات احدى الدول ( بغض النظر عن عدالة الشعارات وسواء بحسن او سوء نية) يتم تعريض امن ومصالح هذه الدولة لاخطار وجودية على حساب قضية اخرى مهمة ولكن حلها لا يكمن في تدمير او استغلال دول وطنية ذات سيادة ولها مصالحها ولديها شعب يجب ان تراعي مصالحه وتحفظ امنه واستقراره لا ان تحرق ويتم إشعال الفوضى فيها لخدمة قضية اخرى خارج حدودها مهما كانت عادلة ومهمة لان خدمة ومساندة القضايا الاقليمية والعربية والاسلامية المشتركة لا يكون عن طريق نشر الفوضى وتدمير الدول الاخرى.
وعلى العكس، ان كانت الدولة الوطنية قوية وراسخة ومستوى وعي وتمسك شبابها بأركان دولتهم الوطنية وتقديمهم لمصالحها واضح ومتين فعندها تستطيع هذه الدولة ان تخدم المصالح والقضايا العربية والاسلامية المشتركة ويكون العمل تكاملي لا ان يكون على حساب الاخر.
ولكن واقع الحال ان لدينا اجيال عربية عاشت على افكار ومفاهيم بحكم المراحل الزمنية التي عاصروا فيها تحولات كبيرة نشأت خلالها دول وتقسمت بعضها وتغيرت اخرى، ونقلت هذه المفاهيم كمسلمات للاجيال اللاحقة التي لم تعاصر مراحل التحولات هذه فأصبحت بالنسبة لهم هوية وارتباط غير قابل للنقاش وهذا يشكل خطر وجودي للدول الوطنية لعدة اسباب من اهمها ان هذه المفاهيم تنتمي لمرحلة انتقالية لها ظروف مختلفة عن ما يعيشه جيل الشباب الحالي وانها برزت في وقت لم تتشكل فيه كامل اركان الدول الوطنية العربية (مؤسسات، نظام اقتصادي وسياسي واجتماعي، دساتير راسخة إلى اخر ما يشكل منظومة الدولة الوطنية واركانها).
هذه المفاهيم النبيلة كانت تحرك الجموع العربية في مختلف أقطار العالم العربي مثل الوحدة العربية والامة الاسلامية ولكنها اما كانت عشوائية من غير مشروع متكامل ينظمها ويقويها ويحقق اهدافها او كانت ضمن مشروع أيدلوجي معاكس يضعف الدول الوطنية ويهدد وجودها.
لا يختلف اغلبنا مع فكرة "الوحدة" العربية ولا على اهمية ترابط "الامة" الإسلامية انما من الضروري ان نعزز لدى الشباب العربي مفهوم "الدولة الوطنية" فتكون لها الاولوية على اي حسابات اخرى والتي بتماسكها وقوتها تكمل وتعزز من الوحدة العربية والأمة الاسلامية لا ان يكونوا على حسابها.
فالتحديات والادوات التي تهدد وجود الدول الوطنية في عالمنا العربي كثيرة، فمنها ما برز على شكل ميليشيات تقدم مصالحها واهدافها على حساب الدولة الوطنية وسيادتها او فساد يضعف دور وقدرة الدولة على ادارة شؤونها وتحقيق مصالحها او تدخلات خارجية تستغل مكونات محلية بافكار وأيدولوجيات تتعارض مع مفهوم الدولة والسيادة الوطنية وغيرها الكثير من الادوات.
لذلك على الدول العربية ان تعمل على ان يكون لديها مشروع وطني يعزز من مفهوم الدولة الوطنية بالذات لدى فئة الشباب ويقوي من تماسكهم ويجعلهم شركاء في حماية وصيانة اركان الدولة الوطنية ليكونوا صف واحد في مواجهة الاخطار الوجودية التي تتعرض لها دول المنطقة لكي نعبر بسلام ونجتاز هذه المرحلة الحرجة التي تصبح بعدها المنطقة العربية واحدة من اكثر مناطق العالم سلام واستقرار وازدهار وتستفيد من امكانياتها ومواردها لصالح شعوبها لا ان تكون شعوبها مستوردة للأفكار والمفاهيم والأيدولوجيات المؤدية للفوضى والصراعات واضعاف الدولة الوطنية فتتحول لدول فاشلة كما حصل مع الأسف لبعض دول المنطقة.