مباشر

عن الصين في انتظار ترمب

إميل أمين
نشر في: آخر تحديث:

هل تبدو الصين قَلِقة من فوز دونالد ترمب لولاية ثانية تبدأ في يناير المقبل؟
غالب الظنّ أن السباق القطبيّ ما بين بكين وواشنطن ماضٍ قُدُمًا، وسواء كان الفائز ترمب أو بايدن، سيّما أن آخر إستراتيجة للأمن القومي الأميركي، وهي الإستراتيجية الوحيدة التي صدرت في عهد بايدن في أكتوبر/ تشرين أول 2022، كانت تضع الصين كعدُوّ إستراتيجيّ أول، وروسيا بعدها، رغم أنّ الأخيرة هي التي تقود الحرب في آسيا مع أوكرانيا.
إن نظرة سريعة على اختيارات ترمب لمسؤولي إدارته، توضّح أن غالبية إن لم يكن كلّ العناصر فيها، لا يحملون ودًّا للصين، وفي مقدّمهم السيناتور مارك روبيو، المرشَّح لوزارة الخارجية، وبيت هيجسيث، المختلف من حوله، على تولّيه وزارة الدفاع، وكلاهما يرى في الصين تهديدًا جوهريًّا ووجوديًّا لمكانة الولايات المتحدة الأميركية حول العالم، ومصالحها في بقيّة القرن القادم.
نهار الاثنين الماضي، كتب ترمب عبر شبكته "تروث سوشيال" التي شارك في تأسيسها، أنّه سيوقع أمرًا تنفيذيًّا بشأن رفع الرسوم الجمركية بأول يوم له في منصبه.
وأضاف: "في 20 يناير، كأحد أول أوامري التنفيذيّة العديدة، سأوقع جميع الوثائق اللازمة لفرض رسوم بنسبة 25 بالمئة على جميع المنتجات القادمة إلى الولايات المتحدة من المكسيك وكندا والصين ، وعلى الحدود المفتوحة السخيفة"، مشيرًا إلى أن الرسوم ستظلّ سارية "حتّى يتوقف تدفق المخدرات، وخاصة الفنتانيل، وجميع المهاجرين غير الشرعيين الذين يشكّلون غزوًا لبلادنا".
تبدو الساحة الدولية خلال سنوات ترمب الأربع المقبلة مرشّحة لصراع عميق بين واشنطن وبكين، ما يعني أن "فخّ ثيوسيديديس" قائمٌ وربّما قادم، بأسرع ممّا يمكن للمرء أن يتصور.
يمكن للمرء أن يستقرئ مبكرًا مسارات الأحداث بين أميركا والصين، من خلال النظر إلى الصراع الروسيّ الأوكرانيّ، حيث تتشابك الخيوط وتتداخل الخطوط، وبصورة غير مسبوقة.. كيف ذلك؟
باختصار غير مُخلّ، يمكن القطع بأنّ الردّ الروسي على الصواريخ الأميركية والبريطانية التي أطلقت من أوكرانيا، إنّما جاء ليحذّر وينذر، لا ليهدّد ويبدّد دفعةً واحدة.
يعرف القاصي والداني أنّ هناك دوائر ديمقراطيّة يساريّة أميركية، غير حسنة النية، ربّما تسعى لتوريط الرئيس القادم في صراع واسع مع روسيا، وذلك لإفساد ولايته القادمة، قبل أن تبدأ.
هذا الأمر يدركه الروس أنفسهم، وقد بان جليًّا من الرد الموسكوفيّ عبر صاروخ أورشنيك الذي أُطلِق على الأراضي الأوكرانيّة بهيئته التقليديّة، ومن غير أن يحمل رؤوسًا نوويّة، مع أنه كان من الممكن جدًّا أن يفعل، ما يعني أنّ القيصر بوتين أراد تَرْك الباب مواربًا لترمب، وداعيًا إيّاه ولو بشكل غير مباشر لأن يسعى في طريق التهدئة بداية، وتاليًا العمل على إنهاء الحرب التي ستكمل عامها الثالث في فبراير/ شباط المقبل.
ما علاقة الصين بالأمر؟
مؤكّد أن علاقتها بالمشهد جذريّة، بمعنى أنّ الأميركيّين يتطلّعون، وترمب في مقدّمهم، لوضع العصا في دواليب العلاقات الروسية الصينية، لتضحي بكين بمفردها في ساحة الصراع مع واشنطن.
لا يعيد الماضي نفسه، لكنّ أحداثه تتشابه، والحديث للكاتب الأميركي الساخر مارك توين، فقبل نحو خمسة عقود، عملت الدبلوماسية الأميركية بقيادة هنري كيسنجر على عزل الصين عن الاتّحاد السوفيتي، لتنفرد بالأول، وهو شأن تميز فيه ثعلب السياسة الأميركية الراحل، عبر ما عُرِف بدبلوماسيّة "البنج بونج".
اليوم تدرك بكين أنه حال وصول ماركو روبيو، سيناتور فلوريدا الكوبيّ الأصل إلى منصب وزير الخارجيّة، وغالبًا ما سيجد تثبيتًا سريعًا من جانب مجلس الشيوخ، ستدور الدوائر سريعة جدًّا لفصل المسارات بين موسكو وبكين، عبر الجزرة بأكثر من العصا، والوعيد لا التهديد، وهي أدوات تبرع فيها واشنطن مالئة الدنيا وشاغلة الناس.
تسعى إدارة ترمب القادمة إلى التهدئة وبنوع خاصّ مع كوريا الشماليّة، وكأنها تتطلع إلى عزلها الهوينا عن بكين، ما يعني أن تجد الأخيرة نفسها وحيدة في الميدان.
لا تتوقّف مخاوف الصين عند العامل الاقتصاديّ، ذلك أنّه تدرك تمام الإدراك أنّ الولايات المتّحدة تسعى لحصارها لوجستيًّا عبر أكثر من محور إستراتيجيّ حول العالم.
لن توفر واشنطن محور واشنطن – طوكيو، وغالب الظنّ أنه رغم الأصوات اليمينيّة اليابانيّة الزاعقة، وراياتها الفاقعة، المطالبة بالانفصال عن أميركا، إلا أن طوكيو يومًا تلو الآخر، سيّما مع اشتداد عود العسكرية الصينية برًّا وبحرًا وجوًّا، ومن ثمّ عبر الفضاء الخارجيّ تعلم علم اليقين أنّ بكين تتهدّدها، وأنّ هناك خلافات على عددٍ من الجزر، يمكن أن تكون بمثابة عود الثقاب الّذي يشعل حربًا إقليميّة.
ولعلّه في سياق تفصيل الكلام، لا بدّ من الإشارة إلى حال ومآل العلاقات الأميركيّة – الأوروبيّة، وكيف لسيّد البيت الأبيض أن يفرض شروطًا على بروكسل، على الأقلّ ما يخصّ نسبة المساهمات في ميزانيّة الناتو، وغالب الظنّ أن ترمب سوف يطالب بما هو أكثر من ال 2% من الناتج القوميّ الإجماليّ التي تكلّم عنها في ولايته الأولى.
هنا ربّما سيلزم ترمب الأوروبّيّين بقيود ظاهرة تارةً وخفيّة تارةً أخرى، فيما يخصّ التعاون مع الصين، وفي جعبة ترمب علاقات متميّزة مع إيطاليا ورئيسة وزرائها جورجيا ميلوني، والتي تميل نحو اليمين الإيديولوجيّ، ما يجعلها بصورة أو بأخرى شديدة القرب من عناصر إدارة ترمب الفاعلة، بدأ من نائبه جي دي فانس،مرورًا بـ"راسل فوغت" صاحب مشروع 2025 المغرق في أصوليّته، والذي سيكلّف بإدارة مكتب الموازنة وغيرهم.
علامة استفهام أخرى حكمًا باتت موضوعةً على مكتب الرئيس الصينيّ شي جين بينغ وبقيّة فريق إدارته: "ما هو مستقبل مشروع الصين الرئيس لقطبيتها القادمة، أي مشروع "الطريق والحزام"، في المدى المنظور، وعلى مرمى أربع سنوات من إدارة ترمب؟
ربّما يكون من السابق لأوانه الجواب، لكن في كل الأحوال، سوف تسعى إدارة ترمب للتضييق على حلفائها وشركائها بكلّ ما أوتِيَت من قوّة، لفضِّ مثل تلك الشراكة، والتي ترسّخ من حضور الصين في النصف الثاني من القرن الحادي والعشرين، كقوّة اقتصاديّة لا تصدّ ولا تردّ.
يَعِنّ لنا أن نتساءل عن مآلات الشراكات الصينيّة الشرق أوسطيّة، وهل يمكن لدول المنطقة أن تجد ذاتها عند لحظة بعينها في مفرق طريق حدّيّ للاختيار بين العلاقة مع بكين أو واشنطن؟
حكمًا يحتاج الأمر إلى قدرة هائلة على إدارة توازنات الصراع، وضبط المسافات بين عواصم المنطقة، وكلّ من بكين وواشنطن، وكلاهما يسعى لتعزيز مصالحه، على حساب الطرف الآخر، كجزء من لعبة البراغماتيّة الأمميّة التاريخيّة.
لا تبدو الصين وكأنّها تقف عاقدة الأذرع على الصدور، في مواجهة الفصل الجديد من الترمبيّة القادمة، ذلك أنّه بجانب سعيها الحثيث لكسب مربّعات نفوذ لوجستيّة في مواقع ومواضع، لم تكن قد اقتربت منها من قبلُ، كما الحال مع توسّع علاقاتها في أفريقيا وأميركا اللاتينيّة، بجانب ذلك نجدها تمضي في إطار بلورة ترسانة صاروخيّة نوويّة متنامية، عطفًا على تشكيل قوة بحريّة نموذجيّة عالميّة، وربّما بمواصفات تستخدم فيها الذكاء الاصطناعيّ، ما يجعلها تضاهي إن لم تكن متفوقة على نظيرتها الأميركيّة.
هل تعمل الصين بالفعل على تفكيك نظام التحالف الأميركيّ في آسيا؟
إلى قراءة مكمّلة بإذن الله.

قبل أن تذهب