مباشر

عندما يصبح الانتصار وجهة نظر

أيمن خالد
نشر في: آخر تحديث:

ما يجمع جماعات الإسلام السياسي أن فكرة الانتصار هي حقيقة ثابتة لا تخضع للاحتمالات، وما عليك سوى الإيمان بهذه الحقيقة كنوع المسلمات غير قابلة للشك، فهي عند حزب الله الوعد الإلهي الثابت، وهي كذلك عند حركة حماس. فالاحتفالات والمهرجانات والأنشطة الإعلامية المفتوحة بعد كل مواجهة ثقيلة على المدنيين، يتم اختزالها تحت عناوين "وانتصرت غزة" إلى احتفالات الوعد الصادق في لبنان، وغيرها ما يطرح عملياً الإشكالية البنيوية المشتركة لدى جماعات الإسلام السياسي والتي تتمثل في رؤيتها لنفسها أولاً ثم رؤية جمهورها لها، ومدى التأثير المشترك بين الطرفين على بعض.

الأصل في ذك كله أن فكرة الإسلام السياسي ظهرت كحقيقة مطلقة، وواحدة من الثوابت التي سوف تدوم على حساب المشاريع السابقة القومية واليسارية، وبالتالي مع فوضوية الخطاب القومي، وتنظيم الخطاب اليساري الذي جاء مبيناً وفق مكتبات دار التقدم في موسكو، فكانت البيئة الحزبية للتنظيمات اليسارية جاهزة ومصنفة في الكتب، وعلى شاكلة ذلك كانت الأحزاب الإسلاموية تتوسع، غير أن اختبار الأسلوب الحزبي لم يكن متوفراً في المكتبة الإسلامية باعتبار الإسلام ديانة، وليس منظمة حزبية. من هنا فالقوالب الجاهزة في عالم الأحزاب تسمح بالتمدد السريع، وإذا كان اليسار العربي قد فشل في التوسع الأفقي بسبب عوامل الثقافة الدينية اللصيقة، فمن الطبيعي أن يحدث التمدد في عالم الإسلاموية، من فكرة خطر الشيوعية على الدين أولاً، رغم أن الإسلاموية شربت المادة الحزبية السوفيتية واستوعبت إطارها التنظيمي جيدا.

بالتالي إن فكرة الاستناد إلى إطار حزبي خارجي هي ليست بعيدة عن الإسلاموية، فهي موجودة في رسائل مؤسس الجماعة حسن البنا عندما تحدث في واحدة من رسائله التي كان فيها معجباً بالرايخ الألماني في مقاربة أراد منها توجيه رسالة في حينها إلى الشباب في الجماعة آنذاك. ثم إن فكرة إعادة تكوين إنسان عصر الشيوعية، وفكرة مدارس التربية الإخوانية ومفهوم التربية الإخواني بعمومه، ثم إن فكرة انتصار الشيوعية الحتمي وفكرة الانتصار الإسلاموية الحتمي، وكثير من المفارقات، غير أن ما يميز الإسلاموية في كل ذلك، هو أنهم نجحوا في إقناع جمهورهم بالوعد الإلهي، وبذلك تخطوا فكرة الهزيمة، لأن الانتصار لديهم يتحقق فقط بمجرد الانتماء للجماعة الإسلاموية، وبالتالي طالما هذه الجماعة موجودة فهم منتصرون.

الإشكالية الثانية هي في القدرة على تبرير الخسارة، وتحويلها إلى منجز ديني، ولا يبدأ ذلك عرضاً لدى الجماعات الإسلاموية، بل يبدأ من نقطة الصفر، ونحن شاهدنا نماذج إخوانية ومحطات فضائية أنتجت أناشيد للأطفال وكانت واحدة من المفارقات التي استندت إليها إسرائيل في إعلامها الخارجي، من أن الأطفال يغنون أناشيد الاستشهاد، وأكملت الصورة كثير من الرموز الإسلاموية في الساحة الفلسطينية، من خلال استعراضات الأطفال والسلاح، وكانت تنشر كل هذه الأمور على المواقع الرسمية لحماس وغيرها في غزة.

تلك هي الصورة في الإعلام للغرب، وأما الصورة المنسية، فهي المدارس الدينية التي اخترقت صدور الأطفال والشارع والمجتمع، وتحولت بموجبها فكرة الدين بمثابة انتظار للموت، وبالتالي برزت فكرة التقليل من القيمة المعنوية للحياة البشرية كنموذج بطولي تبدو فيه الخسارة البشرية والمادية مهما كثرت فهي لا تدخل في مقاييس الهزيمة.

من هنا لن تعترف حركة حماس بالهزيمة، وكل ما تخسره مجرد أرقام وخسائر تكتيكية، ولا يعترف حزب الله بذلك، حتى لو لم يبق من كوادره سوى قلة، وبالتالي ما يراه العالم هو شيء مختلف عما يراه عضو الجماعة الإسلاموية، فهو منتصر ولو تناثرت الجماعة، وهو يرى الآخرين غير المؤمنين معه بذات الفكرة بأنهم ليسوا شركاء أبداً، وهو ما يزيد من خطورة الفكرة واحتمالية تكرارها، وأن الوصول إلى توافق مع أصحاب هذه الذهنية نحو الكف عن هذا التوجه هو نقطة أولى، وإقناع أصحاب هذا التوجه الفكري بالشراكة في الأرض والهواء والسماء، وهو الذي لا يؤمن بالجغرافيا، ولا كل ما تفكر فيه أنت.

الشرخ الذي صنعته الإسلاموية في المجتمعات التي تنمو فيها ليس سهلاً، رغم أن الفكرة الإسلاموية ليست شاملة لكل أطياف المجتمع في البلدان التي تتواجد فيها، لكن الفكرة بحد ذاتها قاسية كحد السيف، وتستوجب محاصرة شاملة، بما في ذلك الضخ الإعلامي الكبير الداعم لروح الفوضى، والقادم من خارج الجغرافيا، لأن لبنان لم ينتصر، وغزة مجرد أكوام من الرماد وعشرات آلاف من الضحايا، فالدين الإسلامي ليس منظمات حزبية وبقاء هذه المنظمات على حساب حياة الناس لا يختلف عن إنسان عصور ما قبل التاريخ، الذي كان يضحي بأرواح الأطفال ظناً منه أنه يطرد الشر عن الجماعة الحاكمة.

قبل أن تذهب