فوضى الفتاوى ومجانيتها
يقول جمال الدين أبو الفرج ابن الجوزي (ت 597ه) وتحت عنوان ذكر تلبيسه على الوعاظ والقصاص والمقصود هنا – تلبيس إبليس على الوعاظ – " ... كان الوعاظ في قديم الزمان علماء فقهاء وقد حضر مجلس عبيد بن عمير عبد الله ابن عمر رضي الله عنه ،وكان عمر بن عبدالعزيز يحضر مجلس القاص ثم خست هذه الصناعة فتعرض لها الجهال فبعد عن الحضور عندهم المميزون من الناس وتعلق بهم العوام والنساء فلم يتشاغلوا بالعلم واقبلوا على القصص وما يعجب الجهلة وتنوعت البدع في هذا الفن "
ولا يخفى على أن أبو الفرج ابن الجوزي كان من كبار أهل الوعظ والتدريس إلا أنه كثيرا ما اشتكى من كثرة الوعاظ الجهال الذين نشروا البدع واضلوا الناس في تلك الفترة أي القرن السادس وما سبقه وحتى القرون المبكرة التي مثلت وجود عصر الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ويقابل هذه النماذج التي كثيرا ما اشتكى منها ابن الجوزي في أكثر من مكان في كتبه مثل كتاب تلبيس ابليس وكتاب صيد الخاطر وغيرها وكما نرى أن هذه المشكلة قد صاحبت أيام التاريخ الإسلامي حتى أيامنا هذه حتى قيل أن هناك واعظ لكل خمسة أشخاص وإذا صدقت هذه الإحصائيات فهي تدل على أزمة كنا نعيشها في أكثر من مرحلة من مراحل الإسلام السياسي التي اركناها . وذكرني كلام أبو الفرج ابن الجوزي بما أفتى به أحد أبواق حركة الإخوان المسلمين في عام 2012 وذلك حينما أفتى هذا الواعظ صاحب برامج وعظيه في أكثر من قناة تلفزيونية ،وكان له أتباع ومريدين يرددون أقواله ويأخذون بفتواه ،وأنا أعني هنا صفوت حجازي الذي افتى أحمد الفيشاوي وهو الممثل المعروف بجواز نكران علاقته بالمرأة التي تزوجها بعقد عرفي وحملت من خلال هذا الزواج ،فأفتى صفوت حجازي الفنان أحمد الفيشاوي بجواز تكذيب هذا الزواج على أن يذبح عشرة جمال تكفيرا عن خطيئته ،وتبرع صفوت حجازي بفتوى للزوجة بجواز اجهاض الجنين فرفضت ذلك ،واحتفظت الزوجة بالجنين الذي اعترف به أحمد الفيشاوي في برنامج تلفزيوني .وكان نص فتوى صفوت حجازي أن تسقط الزوجة الجنين على أن تكفر عن هذه الخطيئة بذبح خمسة جمال أو صيام شهرين .
إن مهازل صيغ الفتاوى التي يفتي بها من ليس بصاحب فقه ولا معرفة أصبحت تزكم الأنوف وتخجل كل مهتم بالشأن العام مثل فتوى رضاعة الكبير وفتوى تحريم أكل محشي الكوسا والباذنجان ،وغيرها من فتاوى لا تدل لا على العلم ولا الفقه ولا المعرفة ،وقد ظهرت فضائح التمويل الأجنبي وهي تدل على أن هنالك نشاط مريب يسعى إلى تتفيه العقول واظهارها بمظهر السطحية .
إن أزمة الوعاظ والقصاص قديمة كما ذكرها أبو الفرج ابن الجوزي في أكثر من كتاب ، وأزمتنا معهم هذه الأيام تكاد تكون متطابقة نوع ما وكما ذكر ابن الجوزي كانت دوافعهم مادية غالبا ، وهو نفس الدافع الذي أوجد هذه المهنة التي أصبح يمتهنها الكثير من المتفيقهين محدودي العلم والفقه ، وهو يدل أيضا على أزمة حضارية.