مستشارون بلا استشارة
منذ عام 2003، برزت في العراق ظاهرة سياسية وإدارية تحولت مع مرور الوقت إلى جزء ثابت من بنية السلطة، تتمثل في التوسع المستمر بتعيين المستشارين في مكاتب رؤساء الوزراء ومؤسسات الدولة العليا. ومع كل دورة حكومية جديدة تتجدد الوعود بإصلاح الجهاز الإداري، وترشيق مؤسسات الدولة، وتقليص النفقات غير الضرورية، إلا أن الواقع غالباً ما يسير في الاتجاه المعاكس؛ إذ يتزايد عدد المستشارين وتتسع دوائرهم، حتى بات هذا المنصب في كثير من الأحيان أقرب إلى عنوان بروتوكولي أو مكافأة سياسية منه إلى وظيفة ترتبط بمهام محددة ونتائج قابلة للقياس.
في النظم الإدارية الحديثة، يمثل المستشار أحد أهم أدوات صناعة القرار. فالحكومات الرشيدة تستعين بالخبراء والمتخصصين في الاقتصاد والأمن والطاقة والتخطيط والإدارة والعلاقات الدولية لتوفير الدراسات والتحليلات والرؤى التي تساعد القيادات السياسية على اتخاذ قرارات مدروسة. وتُقاس قيمة المستشار بما يقدمه من معرفة وخبرة وحلول، لا بحجم امتيازاته أو قربه من دوائر النفوذ.
غير أن هذا المفهوم تعرض في العراق إلى تشويه تدريجي خلال العقدين الماضيين. فبدلاً من أن يكون منصب المستشار وظيفة ترتبط بالكفاءة والتخصص، أصبح في حالات كثيرة وسيلة لاستيعاب شخصيات سياسية، أو مكافأة مسؤولين سابقين، أو إيجاد مواقع بديلة لمن غادروا مناصبهم التنفيذية بفعل التغييرات الحكومية أو التوازنات السياسية. وبمرور الوقت تحولت بعض المكاتب الاستشارية إلى ما يشبه "غرف الانتظار السياسية"، حيث يعاد تدوير الأسماء ذاتها تحت مسميات مختلفة، من دون أن ينعكس ذلك على جودة الأداء الحكومي أو مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
ولعل المواطن العراقي يتساءل، وهو سؤال مشروع تماماً: ما حجم الأثر الحقيقي الذي أحدثه هذا العدد الكبير من المستشارين في معالجة الأزمات المزمنة التي تعانيها البلاد؟ وكم من هؤلاء ارتبط اسمه بمشروع إصلاحي ناجح أو سياسة عامة مؤثرة أو دراسة استراتيجية أسهمت في تطوير قطاع معين؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تبدو في أغلب الأحيان مخيبة للآمال، لأن غالبية المستشارين يعملون بعيداً عن أي تقييم معلن للأداء، كما لا تُنشر للرأي العام نتائج أعمالهم أو طبيعة الملفات التي يتولونها، الأمر الذي يجعل من الصعب قياس جدوى وجودهم أو معرفة القيمة المضافة التي يقدمونها للدولة.
وفي المقابل، تستمر الدولة في تحمل أعباء مالية كبيرة تشمل الرواتب والمخصصات والحمايات والمكاتب والسيارات الرسمية ونفقات السفر وغيرها من الامتيازات المرتبطة بهذه المناصب. وقد لا تبدو كلفة مستشار واحد مرتفعة في ظاهرها، لكن تراكم عشرات أو مئات المناصب الاستشارية عبر السنوات يفرض أعباء إضافية على الموازنة العامة التي تواجه أصلاً ضغوطاً متزايدة بسبب التحديات الاقتصادية والخدمية.
لكن المشكلة لا تقتصر على الجانب المالي، على أهميته، بل تمتد إلى ما هو أخطر من ذلك، وهو تكريس ثقافة إعادة تدوير المسؤولين والإفلات من المساءلة. ففي كثير من الحالات لا تعني مغادرة المسؤول لمنصبه نهاية دوره في السلطة أو إخضاعه للتقييم والمراجعة، بل تتحول إلى مجرد انتقال من موقع تنفيذي إلى موقع استشاري يحتفظ من خلاله بجزء من نفوذه وامتيازاته. وبهذا المعنى تصبح الإقالة أو التغيير الإداري إجراءً شكلياً لا يفضي بالضرورة إلى تجديد حقيقي في الإدارة أو إلى محاسبة فعلية عن الإخفاقات السابقة.
وقد عاد هذا الملف إلى واجهة النقاش العام في أكثر من مناسبة عندما أقدمت حكومات متعاقبة على إعفاء مسؤولين كبار من مناصبهم ثم أعادت تعيين بعضهم مستشارين في مكاتبها أو في مؤسسات حكومية أخرى. وهنا يبرز تساؤل يصعب تجاهله: إذا كان المسؤول قد أُبعد عن منصبه بسبب ضعف الأداء أو عدم ملاءمته للمهمة، فما الذي يجعله مؤهلاً لتقديم المشورة في الملفات الاستراتيجية؟ وإذا كان يمتلك من الخبرة والكفاءة ما يؤهله لهذا الدور، فلماذا لم يُمنح فرصة الاستمرار في موقعه التنفيذي؟ إن هذا التناقض يضعف ثقة الرأي العام بالإجراءات الحكومية ويعزز الانطباع بأن كثيراً من التعيينات تحكمها اعتبارات سياسية أكثر مما تحكمها معايير مهنية.
وتعكس هذه الظاهرة جانباً من الخلل البنيوي الذي ما زال يطبع الإدارة العراقية. فبدلاً من أن تكون المناصب العليا أدوات لخدمة الدولة وتحقيق المصلحة العامة، تتحول أحياناً إلى وسائل لإدارة التوازنات السياسية وتوزيع النفوذ بين القوى المختلفة. وفي ظل هذا الواقع لا يعود معيار الكفاءة هو العامل الحاسم في شغل الوظائف المهمة، بل تصبح شبكة العلاقات والانتماءات والتفاهمات السياسية المحدد الأساسي لبقاء بعض الشخصيات قريبة من مراكز القرار.
كما أن التضخم المستمر في أعداد المستشارين يؤدي إلى إرباك هيكلية المؤسسات الحكومية نفسها. فحين تتعدد الجهات الاستشارية وتتداخل صلاحياتها، يصبح من الصعب تحديد المسؤوليات ومحاسبة المقصرين. وقد تجد المؤسسة الواحدة نفسها أمام أكثر من مستشار في الملف ذاته، من دون وجود آليات واضحة لتحديد الجهة التي تقدم الرأي النهائي أو تتحمل مسؤولية نجاح القرار أو فشله، الأمر الذي يوسع مساحة الضبابية الإدارية ويضعف فعالية العمل المؤسسي.
وعلى الرغم من أن قانون تنظيم عمل المستشارين رقم (3) لسنة 2022 نصّ على تحديد عدد المستشارين في الرئاسات الثلاث — رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء ورئاسة مجلس النواب — بما لا يتجاوز ستة مستشارين لكل رئاسة، في محاولة لتنظيم العمل الاستشاري وترشيد الإنفاق ومنع التوسع غير المبرر في المناصب الخاصة، فإن الواقع العملي كشف عن فجوة واضحة بين النص القانوني والتطبيق. إذ لم يجرِ الالتزام بهذا السقف، ما أثار تساؤلات بشأن جدية تنفيذ القوانين واحترام مبدأ سيادة القانون. فالقانون يفقد قيمته عندما يبقى حبراً على ورق، بينما تستمر الممارسات الإدارية والسياسية بما يتعارض مع أحكامه، الأمر الذي يضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات ويكرس ظاهرة تجاوز التشريعات النافذة.
إن الإصلاح الحقيقي لهذا الملف لا يتحقق عبر الشعارات أو البيانات الإعلامية، بل من خلال إعادة تعريف وظيفة المستشار على أسس مهنية واضحة. فالمستشار ينبغي أن يكون خبيراً معروفاً في مجال تخصصه، وأن يتم اختياره وفق معايير شفافة ومعلنة، وأن تُحدد مهامه وصلاحياته بدقة، وأن يخضع عمله لتقييم دوري يستند إلى مؤشرات أداء قابلة للقياس. كما ينبغي الإعلان للرأي العام عن طبيعة الملفات التي يعمل عليها والنتائج التي حققها، بما يضمن الشفافية ويعزز الثقة بمؤسسات الدولة.
ومن الضروري أيضاً وضع سقف قانوني صارم ومعقول لأعداد المستشارين في مكاتب الرئاسات والوزارات، وربط التعيينات بالحاجة الفعلية لا بالرغبات السياسية أو متطلبات الترضيات الحزبية. فالدول الناجحة لا تُقاس بعدد المستشارين العاملين فيها، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة إلى سياسات فعالة وقرارات ناجحة.
لقد سئم العراقيون من رؤية الأسماء ذاتها تنتقل بين المناصب تحت عناوين مختلفة، فيما تبقى الأزمات المزمنة من فساد وضعف خدمات وبطالة وتراجع في البنية التحتية من دون حلول جذرية. فالدولة ليست مؤسسة للرعاية السياسية، ولا ينبغي أن تتحول مكاتب المسؤولين إلى ملاذ آمن للمسؤولين السابقين أو محطة دائمة لإعادة تدوير النخب ذاتها.
وبعد أكثر من عقدين على التغيير السياسي، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة شجاعة وشفافة لهذه الظاهرة. فالعراق لا يحتاج إلى المزيد من المستشارين بقدر ما يحتاج إلى المزيد من الكفاءة والنزاهة والمحاسبة والإدارة الرشيدة. وعندما يصبح منصب المستشار أداة حقيقية للإنتاج الفكري وصنع السياسات وتقديم الحلول، لا وسيلة للمجاملة السياسية أو تعويض الخارجين من السلطة، عندها فقط يمكن القول إن الدولة بدأت تخطو خطوات جادة نحو بناء مؤسسات حديثة تستند إلى الكفاءة وتخدم المواطن قبل أي اعتبار آخر.
نقلاً عن المدى