التطرف الأبيض يهدد أمريكا في عيدها
فى عيدها المائتين والخمسين، أى أمريكا هذه التى تحتفل بنفسها؟ أمريكا الدستور والحرية وتداول السلطة وتعدد الأعراق، أم أمريكا الخوف من الآخر والحنين إلى نقاء متخيل؟
المشهد الذى صنعته جماعة «باتريوت فرونت» فى واشنطن لم يكن عابرًا، حتى لو كان عدد المشاركين فيه محدودًا بالقياس إلى حجم المجتمع الأمريكى. مئات الرجال الملثمين بزى موحد، بنطلونات كاكى، قمصان زرقاء، أقنعة بيضاء، ونظارات شمسية، يتحركون قرب الكابيتول، حاملين أعلامًا أمريكية وكونفدرالية، ومرددين شعارات عن «استعادة أمريكا». فى بلد يعرف جيدًا معنى الرموز، لم يكن القناع مجرد قناع، ولا العلم مجرد علم، ولا اختيار التوقيت بريئا.
الجماعة نفسها ظهرت من قبل منذ سنوات، كشفت وقتها أن التطرف الأبيض فى أمريكا لم يختفِ، بل كان ينتظر لغة سياسية ومناخًا عامًّا يسمحان له بالخروج من الهامش إلى الشارع. «باتريوت فرونت» تقدم نفسها بلباس منظم وشعارات وطنية، لكنها فى جوهرها حركة قومية بيضاء، معادية للمهاجرين، ومهووسة بفكرة أن أمريكا الحقيقية يجب أن تكون بيضاء، أو على الأقل محكومة بتفوق أبيض مقنع بكلمات مثل «الوطن» و«التراث» و«الاستعادة».
هناك أثر لترامب. لم يخترع القومية البيضاء أو اليمين المتطرف. هذه التيارات أقدم منه بكثير، وبعضها متجذر فى تاريخ طويل من العنصرية الأمريكية. لكنه منحها الإحساس بأن اللغة الخشنة صارت مقبولة، وأن كراهية المهاجرين يمكن تغليفها بخطاب سياسى مشروع، وأن الحديث عن «استعادة أمريكا» يمكن أن يصبح شعارا انتخابيا.
تأثير ترامب لا يتمثل فقط فى قرارات أو خطب، بل فى تغيير حدود المقبول. حين يكرر زعيم سياسى أن البلاد «سُرقت»، وأن المهاجرين خطر، وأن المؤسسات متآمرة، وأن الهوية الوطنية مهددة، فإنه لا يأمر المتطرفين بالنزول إلى الشارع بالضرورة، لكنه يخلق لهم هواء يتنفسون فيه.
والأخطر أن هذه الجماعات لا تتحرك الآن كغوغاء عشوائية فقط، بل كمنظمات تعرف أثر الصورة. الأقنعة، الصفوف، الطبول، الزى الموحد، التصوير، الانتشار على وسائل التواصل، كلها أدوات لإنتاج مشهد قوة، حتى لو كانت القوة الحقيقية أقل من الصورة. إنها سياسة الاستعراض، لا سياسة البرنامج. والمقصود منها ليس إقناع الجميع، بل تخويف البعض، وجذب آخرين، وإرسال رسالة أن «نحن هنا».
أمريكا ليست على وشك أن تتحول كلها إلى نسخة من هذه الجماعات. فى داخلها مؤسسات قوية، مجتمع مدنى واسع، إعلام حر، قضاء قادر على المقاومة، وجمهور كبير يرفض هذه الأفكار. غير أن قوة الديمقراطيات لا تقاس فقط بوجود المؤسسات، بل بقدرتها على حماية المجال العام من التطبيع التدريجى مع الكراهية.
الدول الكبرى لا تتراجع بسقوط مفاجئ، بل بتآكل المعنى، حين يصبح القناع أكثر حضورًا من الوجه، والخوف أقوى من الثقة، والحنين إلى ماضٍ متخيل بديلًا عن مشروع مستقبل مشترك.
نقلاً عن "المصري اليوم"