التعليم بعد سقوط الحواجز المعرفية
يبدو أن مستقبل التعليم في السعودية، وفي العالم كله، يتجه نحو نموذج جديد لا يقوم على نقل المعرفة، بل على تمكين الطالب من بناء تجربته الخاصة، وصياغة هويته المعرفية، والمشاركة في إنتاج المعرفة بدلاً من استهلاكها فقط.. وهذا التحول ليس خياراً، بل ضرورة وجودية في عالم تتغير فيه مصادر المعرفة بسرعة غير مسبوقة..
يشهد الوسط الأكاديمي اليوم تحولات عميقة في فهم التعليم ودوره، في ظل عالم مفتوح تتدفق فيه المعرفة بلا حدود، ومع هذا الانفتاح الهائل، لم يعد السؤال حول كيفية الوصول إلى المعلومة سؤالاً جوهرياً كما كان في السابق، بل أصبح التحدي الحقيقي هو كيفية تحويل هذه المعرفة المتاحة للجميع إلى تجربة ذاتية قادرة على إنتاج معرفة جديدة. هذا التحول يعيد صياغة فلسفة التعليم، ويضع المؤسسات الأكاديمية أمام مسؤولية إعادة التفكير في مناهجها وأدواتها، خصوصاً في ظل شعور متزايد بأن الاعتماد على "المعرفة" وحدها لم يعد مجدياً كما كان.
الحديث حول فكرة المنهج التقليدي الذي يعتمد على نقل معرفة محددة لمجموعة من الطلاب اصبحت غير واقعية. سبب هذا الاعتقاد هو أن الطلاب وكثيرا من الناس لم تعد أمامهم عوائق للحصول على أي معلومة وفكرة التعرّض exposure والتي يقصد بها الانفتاح على المعارف المقروءة والمرئية دون حدود صنعت تحديات حقيقية أمام التعليم. حتى أن البعض صار يتساءل حول فكرة التعليم برمّتها. هذا جعل المهتمين بالتكوين المعرفي يفرقون بين التعرّض للمعرفة غير المحدودة وبين تحول هذه المعرفة إلى تجربة ذاتية تمكنهم من إنتاج المعرفة في المستقبل. قبل أيام التقيت بعض طلابي السابقين ودار حديث بيننا حول مادة أقوم بتدريسها من سنوات اسمها "قضايا معاصرة في العمارة"، وسألتهم سؤالا مباشرا: هل تعلمتم شيئا من هذه المادة؟ وطلبت منهم عدم المجاملة، فكان ردهم أنها غيرت طريقة تفكيرهم، الحقيقة هي أني كنت أفكر كيف يمكن للطالب أن يصنع معرفته الخاصة فلم يعتمد المنهج على سرد القضايا وتفكيكها، بل كنت أطلب منهم البحث عنها بأنفسهم وعليهم إقناعي بأنها قضية تستحق البحث والتفكيك، وعليهم بعد ذلك أن يكملوا جميع الخطوات التي تمكّنهم من فهمها وتقديمها من خلال نظرتهم المعرفية الخاصة.
هذا المثال يعكس بوضوح التحول من التعليم القائم على التلقين إلى التعليم القائم على بناء التجربة الذاتية. فالمعرفة لم تعد هدفاً بحد ذاتها، بل أصبحت مادة خاما تُصنع منها شخصية الطالب، ورؤيته، وطريقته في التفكير. ومع انتشار السيولة المعرفية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية في بداياتها، ثم الذكاء الاصطناعي لاحقاً، أصبح امتلاك المعلومة أمراً لا يحمل قيمة كبيرة، ولم يعد أحد بحاجة إلى الحفظ أو حتى الاستيعاب بالمعنى التقليدي. ما بقي مهماً هو القدرة على تحويل هذا الكم الهائل من المعلومات إلى موقف معرفي خاص، وإلى رؤية شخصية للعالم.
جدل السيولة المعرفية الذي أتاحته في البداية الشبكة العنكبوتية ثم الذكاء الاصطناعي بعد ذلك أوجد هذا المأزق الذي قلل من قيمة أن تعرف أو تملك المعلومة، لم يعد أحد بحاجة إلى أن يحفظ، حتى فكرة "الاستيعاب" التي كانت تمثل أحد أركان التعليم فقدت معناها، لكن بقيت "التجربة الذاتية" محكا أساسيا غير كثيرا من فلسفة التعليم، فلم يعد مهما أن ننقل المعرفة التي يمكن أن يحصل عليها الجميع وأصبح المهم هو كيف نصنع معرفتنا الخاصة، فمن نحن وما هي شخصيتنا وكيف نقدم أنفسنا للآخر أصبح منوطا بهذه المهارة التي يفترض أن تولد من ركام المعرفة الإنسانية العامة المتاحة للجميع بحيث نجد لنا مكانا صغيرا خاصا داخلها نستطيع من خلاله تقديم تصورنا الخاص ونظرتنا للعالم.
هذا التحول لا يقتصر على التعليم الجامعي، بل يمتد إلى تشكيل الهوية الثقافية والمعرفية للشباب، الذين باتوا يعيشون في فضاء معرفي عالمي لا تحده الجغرافيا ولا الثقافة المحلية. وهذا ما لفتت إليه إحدى الباحثات في مجال العمارة، حين أشارت إلى أن المرجع المعرفي للشباب السعودي أصبح أكثر انفتاحاً وتنوعاً، وأن هذا الانفتاح ينعكس على ذائقته البصرية، وتفضيلاته، ومواقفه من الآخر، وحتى على رؤيته المستقبلية.
يجب أن أقول، إن طالبة الدكتوراة في قسم العمارة بجامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل، ماريا القحطاني، لفتت انتباهي إلى أن المرجع المعرفي للشباب السعودي أصبح منفتحا ولا تحده حدود المعرفة والثقافة المحلية، وأن هذا الانفتاح لا بد أنه ترك أثرا على تحديد هويته ومواقفه من الآخر وذائقته البصرية وتفضيلاته المستقبلية. هذه الملاحظة مرتبطة دون شك بانفتاح حدود التعليم الذي نريد، وربما لا نستطيع تعريف هذه الحدود بوضوح. هذا يعني أننا نواجه تحديا وجوديا واضحا في المستقبل كوننا لا نملك ناصية المعرفة التي يستهلكها العالم بما فيهم شبابنا ولا نملك شيئا نفعله حيالها إلا إذا استطعنا أن نشارك في إنتاجها.
يبدو أن مستقبل التعليم في السعودية، وفي العالم كله، يتجه نحو نموذج جديد لا يقوم على نقل المعرفة، بل على تمكين الطالب من بناء تجربته الخاصة، وصياغة هويته المعرفية، والمشاركة في إنتاج المعرفة بدلاً من استهلاكها فقط، وهذا التحول ليس خياراً، بل ضرورة وجودية في عالم تتغير فيه مصادر المعرفة بسرعة غير مسبوقة.
نقلاً عن "الرياض"
اختيار المحررين
-
بعد إعادة نابليون العبودية.. نواب فرنسيون انتهوا في الأشغال الشاقة الأخيرة منذ 4 ساعات -
7 أمور يتجنبها ذوو الذكاء الاجتماعي والعاطفي العالي علم منذ 22 ساعة -
تحذير علمي.. الإفراط في مشاهدة التلفزيون قد يؤدي إلى تلف الدماغ علم منذ يوم -
"خطير للغاية".. مدينة أميركية على وشك نفاد المياه العرب والعالم منذ يوم