مباشر

مالم يقله نظام التعليم العام

د. عزة السبيعي
نشر في: آخر تحديث:

في اجتماع ضم عددًا من الشخصيات الاعتبارية على مستوى الوطن، كان التعليم السعودي محور نقاشٍ اتسم بكثير من النقد. وبينما كنت أستمع إلى الآراء المطروحة، وجدتني أقول لتخفيف حدة هذا الجو الناقد:
أتفهم مشاعركم، وأتفهم كذلك نقدكم؛ لكن ألا ترون أننا جميعًا مخرجات هذا التعليم؟ نحن الذين تعلمنا في مدارسه وجامعاته، واستطعنا أن نترك أثرًا في مواقع عملنا، وأن نحضر في الجامعات والمؤتمرات العالمية، وأن نمثل وطننا بصورة مشرّفة.
ولا أقول ذلك لتخفيف مساءلة التعليم السعودي أو التقليل من أهمية نقده، فالنقد الموضوعي ضرورة لأي نظام يسعى إلى التطور. كما أن طموحنا جميعًا أن يصبح التعليم أفضل، وأن يكون الأطفال الذين يذهبون إلى مدارسهم كل صباح أفضل منا جميعًا، لا أفضل من آبائهم فحسب، بل أفضل مني ومنك أيضًا؛ وأن يكونوا قادرين على صناعة وظائفهم، والمساهمة في الاقتصاد الوطني، وتخفيف العبء عن الدولة، وأن يكونوا قوة دافعة لتطور المجتمع لا عبئًا عليه.
وبعبارة جامعة عبّر عنها الإطار الوطني للمناهج الصادر عن هيئة تقويم التعليم والتدريب، فإن الغاية هي إعداد:
“متعلمًا معتزًا بهويته، مسهمًا في تنمية وطنه، مبدعًا علميًا ومهاريًا، ومنافسًا عالميًا.”
وفي الحقيقة، قبل رؤية السعودية 2030 لم يكن لدينا تصور وطني متكامل يجيب بوضوح عن السؤال الأهم: ماذا نريد من التعليم؟ وعندما جاءت الرؤية، تغير المشهد؛ فقد قدمت خطة وطنية شاملة، استهدفت بأبعادها ومحاورها وتفصيلاتها بناء منظومة تعليمية تسير في الاتجاه الصحيح، وتخدم مستقبل المملكة اقتصاديًا واجتماعيًا وتنمويًا.
واليوم، ومع صدور نظام التعليم العام وإطلاق مجلس شؤون التعليم العام، فإننا أمام خطوة تاريخية تستحق الاحتفاء. إلا أنني أود، من زاوية تخصصي في تقويم الأداء التعليمي، أن أطرح ثلاث ملاحظات أرى أنها جديرة بالنقاش، ليس انتقاصًا من النظام، وإنما إسهامًا في تطويره.
أولًا: سن التعليم الإلزامي
نصت المادة الرابعة على أن التعليم الإلزامي يبدأ من سن السادسة وينتهي عند الخامسة عشرة.
وبالمناسبة، لطالما كان الباحثون في مجال السياسات التعليمية يتساءلون: أين نصت الأنظمة السعودية صراحة على إلزامية التعليم؟ ولذلك فإن النص على هذه الإلزامية يُعد إضافة تشريعية مهمة طال انتظارها.
لكن ما يستحق التأمل هو تحديد نهاية الإلزام عند سن الخامسة عشرة. فهناك فجوة تمتد ثلاث سنوات حتى بلوغ سن الرشد النظامي، كما أن نظام العمل في المملكة لا يسمح لمن هم دون الثامنة عشرة بالعمل إلا بقيود وشروط محددة وساعات عمل مقيدة. فكيف ستُدار هذه المرحلة العمرية؟ وما الخيارات التعليمية أو التدريبية أو المهنية المتاحة خلالها؟
كما يبرز تساؤل آخر يتعلق باحتساب العمر: هل سيكون المرجع هو التقويم الهجري أم الميلادي؟ خاصة أن الفارق بينهما قد يصل إلى نحو عامين خلال مراحل العمر، وهو فارق مؤثر عند تطبيق الأنظمة.
ثانيًا: مشاركة المجتمع في صناعة السياسات
من الإيجابي أن يضم المجلس أعضاء من القطاع الخاص والقطاع غير الربحي، وهو توجه يعكس أهمية الشراكة بين القطاعات.
إلا أن ما لفت انتباهي هو غياب آلية واضحة لمشاركة المجتمع في صياغة السياسات التعليمية، سواء عبر أولياء الأمور أو المعلمين أو المختصين. ففي كثير من الأنظمة التعليمية المتقدمة، لم تعد السياسات تُبنى داخل الغرف المغلقة، بل أصبحت مشاركة أصحاب المصلحة أحد عناصر جودة الحوكمة، وأسهمت في رفع جودة التعليم وتعزيز الثقة في قراراته.
ويبقى السؤال: أين موقع المجتمع من صناعة سياسات التعليم في المملكة؟
ثالثًا: غياب فصل مستقل للتقويم
وهذه الملاحظة أوردها هنا بحكم تخصصي في تقويم الأداء التعليمي والتي استوقفتني كثيرا عند مراجعة نظام التعليم.
فعلى الرغم من أن النظام تناول مراحل التعليم، والمسارات، والمناهج، والمؤسسات التعليمية، والطلاب، والمعلمين، وأولياء الأمور، والتجهيزات، والخدمات، والمخالفات والجزاءات، فإنه لم يفرد فصلًا مستقلًا للتقويم، مع أنه يمثل إحدى أهم حلقات دورة حياة النظام التعليمي.
ولو تتبعنا ورود كلمة “التقويم" في النظام، لوجدنا أنها جاءت بصورة موجزة؛ كالإشارة إلى عضوية هيئة تقويم التعليم والتدريب في المجلس، أو إلى أن التقويم من اختصاصات المجلس، دون بيان فلسفته، أو أهدافه، أو مبادئه، أو آلياته، أو مكانته في منظومة الإصلاح.
وهذا يختلف عما نراه في عدد من الأنظمة التعليمية الرائدة، مثل سنغافورة وإنجلترا وأستراليا، حيث يحظى التقويم بمكانة واضحة في التشريعات والسياسات التعليمية، بوصفه أداة للتشخيص، وداعمًا للتحسين، ومحركًا للإصلاح المستمر.
إن غياب فصل مستقل للتقويم قد يخلق إشكالية حوكمية، لأنه يغيب الإطار النظامي الذي يوضح استقلالية التقويم، وإلزاميته، ودوره في دعم جودة التعليم. فالتقويم ليس غاية في ذاته، بل هو الوسيلة التي تكشف مواطن القوة، وتشخص جوانب التحسين، وتوفر الأدلة التي تستند إليها القرارات.
وحتى عندما يكون التقويم قائمًا على فلسفة التحسين لا المحاسبة، فإن التحسين نفسه لا يمكن أن يتحقق دون مستوى من المساءلة. وإلا، فكيف يمكن تفسير القرارات والإجراءات التطويرية التي اتخذتها وزارة التعليم عقب نتائج البرنامج الوطني للتقويم المدرسي؟
إن وجود فصل واضح للتقويم لا يعزز التحسين و المساءلة فحسب، بل يرسخ أيضًا ثقافة التحسين المستمر، ويمنح جميع الأطراف وضوحًا في الأدوار والمسؤوليات، وهو ما تحتاجه أي منظومة تعليمية تطمح إلى التميز والاستدامة
مرة أخرى لانخفي سعادتنا أو فخرنا بصدور هذا النظام لكن وجدت مثل هذه التعليقات ضرورية جداً.

د.عزة السبيعي

قبل أن تذهب