شركاء معركة الضفة
مصالح نتنياهو للبقاء في المشهد السياسي تذهب به نحو معركة الضفة النقطة الأضعف في المواجهة بعد تبخر المكتسبات السياسية لحروبه في السنوات الثلاث الماضية، وهي تماماً مصلحة حركة حماس التي تراهن على تسخين الضفة بهدف الحفاظ على وجودها في المشهد السياسي بعد اقتراب الاستحقاق القادم في غزة، ما يعني أن ملف الضفة هو مسألة سياسية تحت مظلة ظاهرها أمني من جانب ومقاوم من الجانب الآخر، لكن جوهرها واحد، هو المصالح الحزبية لكلا الطرفين.
نتنياهو يعيش كابوس حزب " يشار" الذي تجازه في الاستطلاعات الأخيرة، والحزب يرأسه المتقاعد أيزنكوت بما يؤشر الى عودة زمن الجنرالات بديلاً عنه، وإذا عاد زمن الجنرالات فسوف تتضرر اللعبة الحزبية وقد يتراجع حزب الليكود كثيراً في الزحام السياسي، بينما حماس تواجه الاستحقاق بمواجهة العزلة في غزة ما لم تسلم سلطتها، ما يعني اختلال عصر المكتب السياسي للحركة ودوره في الخارج، إضافة الى الانتخابات الفلسطينية القادمة في الضفة وغزة والقدس وهو الحدث الذي يناسب حماس تأجيله، بسبب قلقها من الانقلاب الشعبي على الحركة، بالتالي هما مشهدان، ونقيضان في البنية، غير أنهما شركاء في الهدف.
هناك مسألة جوهرية تتمثل في التوصيف القانوني للشعب الفلسطيني ما قبل قيام السلطة الفلسطينية " بأنه شعب أعزل تحت الاحتلال" وبذلك جاءت اتفاقية أوسلو التي أتاحت للشرطة الفلسطينية امتلاك أسلحة فردية لغايات أمنية دون السماح بتشكيل جيش وطني فلسطيني وبمعنى أدق هي سلطة منزوعة السلاح، وعلى ضوء ذلك كانت السلطة الفلسطينية تتسلم السيطرة الأمنية من إسرائيل تباعاً وبالتدريج، غير أن حماس ومنذ نشأتها حرصت على تغيير التوصيف القانوني للشعب الفلسطيني من شعب أعزل الى أسطورة قتالية، وشعب يقود ثورة مسلحة تحت الاحتلال، ابتدأتها في عملياتها الانتحارية أثناء الانتفاضة الثانية، ثم استكملت ذلك بعد سيطرتها على غزة من خلال آلاف الصواريخ غير المؤثرة والتي لم تُحدث أكثر من صورة إعلامية ضخمة، نجحت إسرائيل في استغلالها من خلال قصة المظلومية، تماماً هي قصة الأنفاق التي لم تكن أكثر من ملاجئ لعناصر حماس كما وصفها موسى أبو مرزوق في واحدة من ظهوره الإعلامي، غير أنها وصلت حداً من المقارنات مع الحرب الفيتنامية عبر صياغة إعلامية شعبوية مفرطة، بالتالي ما بين مظلومية إسرائيل ان الفلسطينيين يشكلون خطراً على "وجود إسرائيل" وبين أسطورة حماس كانت أوسلو تتلاشى بعدما جمدت إسرائيل إعادة الأراضي الخاضعة لسيطرتها للفلسطينيين، وانتقلت إلى مرحلة إعادة الاحتلال من جديد وهي ما نشاهده اليوم.
المفارقة المهمة تتمثل في ظاهرة سلاح المستوطنين، الذين باتوا يعملون على الأرض على شاكلة مليشيات منظمة ازدادت اعتداءاتهم على الفلسطينيين بشكل غير مسبوق بعد سلسلة القوانين والقرارات الاستيطانية التي تم إقرارها قبل حل الكنيست في الأيام الماضية، ما يعني أننا أمام أسابيع غاية في الخطورة، تريد الحكومة اليمينية المتطرفة خلالها إحداث أكبر قدر من الاعتداءات عبر المستوطنين ما قد يؤدي إلى ردود أفعال ومواجهات مفتوحة قد تسهم في تعزيز المساحة الانتخابية للائتلاف الحاكم قبيل الانتخابات القادمة، خصوصاً أمام اتفاق الهدنة وتراجع مؤشرات الحرب في لبنان، وما هو متوقع من هدوء نسبي في غزة، ما يعني أن الضفة هي ساحة اللعبة الرئيسية التي سوف تستغلها الحكومة الإسرائيلية المتطرفة بذريعة الهواجس الأمنية التي بدأت في إسرائيل منذ عهد بن غوريون ولم تنته حتى اليوم.
هنا تأتي دعوات حماس الى ما تسميه بالنفير العام، وهي دعوات ليست بريئة ولا تقوم على أساس المصلحة الوطنية، فما تريده حماس اليوم هو إعادة تفعيل برنامجها الموروث المتمثل في اسقاط اتفاق أوسلو وما نتج عنه، ثم الذهاب نحو مقاومة شاملة، وهنا تلتقي مصلحة حماس مع اليمين الإسرائيلي الذي يريد محو أوسلو من الوجود، غير أن النتائج التي لا تريد حماس الاعتراف بها هي عواقب التهجير المحتملة، كما حدث في السابق عندما أقدم مسلحوها على منح الذرائع لجيش الاحتلال في يناير 2025 لاجتياح مخيمات جنين وطول كرم، ونتج عن ذلك تهجير عشرات الالاف وسط عمليات هدم واسعة.
بالتالي إن سد ذرائع الاحتلال لا يلغي مفهوم المقاومة بأشكالها الشعبية المختلفة، غير أن ثمة فارقا كبيرا بين توصيف الشعب الفلسطيني بأنه شعب أعزل تحت الاحتلال وبين ما تدعيه حماس من وصف أسطوري له لا يخدم الفلسطينيين ولا يتوافق مع الواقع، فسلاح حماس دمر غزة وأي دور لسلاح لحماس في الضفة يعني تحويلها إلى غزة ثانية.