البنية الأساسية للمعرفة: كيف سبقت أدوات التفكير حركة الترجمة عند المسلمين؟
الترجمة - كما هو معلوم - لم تكن بداية النهضة العلمية والفلسفية الإسلامية، بل كانت ثمرة لبنية معرفية وعقلية تأسست قبلها بقرنين. فالعصر العباسي هو عصر الترجمة الأهم في تاريخ الحضارة الإسلامية، ومنذ بداية هذه الحركة وحتى ازدهارها، ثم انتقالها إلى حواضر أخرى، تفاعلت الحضارة الإسلامية مع الحضارات السابقة، وخصوصًا الحضارة اليونانية، وما نُقل عنها من علوم عبر وسائط متعددة، منها الترجمة السريانية. وهذه حقيقة تاريخية معروفة لا جدال فيها، إذ أنشأت هذه الحركة كثيرًا من مدارس العلوم والفلسفة والكلام، وأثّرت في مسار العلوم الإسلامية والطبيعية والفكرية على مدى عدة قرون.
لكن السؤال الأهم الذي يتردد دائمًا هو: كيف استطاع العرب والمسلمون استيعاب التراث العلمي والفلسفي اليوناني ثم تطويره؟ وما الأدوات التي مكّنتهم من ذلك، إضافة إلى اللغة؟ وما أهم العناصر التي جعلت من حركة الترجمة عندهم حركة فكرية تطويرية، أكثر من كونها حركة ترجمة حرفية؟
فقبل أن تُترجم كتب أرسطو وأفلاطون وإقليدس وجالينوس، كان العقل الإسلامي يمتلك أدوات التفكير التي مكّنته من الفهم والنقد والإبداع. وهذه الأدوات هي البنية الأساسية للعلوم، فبدونها لا يمكن أن تتطور العلوم، ولا يمكن لأي حضارة أن تستوعب حضارة أخرى استيعاب فهمٍ، لا استيعاب تقليد أو ترجمة حرفية. فالفهم هو الذي يقود إلى تطوير المعرفة وبناء الحضارة، عبر استيعاب ما وصل إليه الآخرون والبدء من حيث انتهوا.
وأول هذه الأدوات كان ضبط اللغة وبناء الدقة الفكرية، إذ لا يمكن أن تقوم فلسفة أو علوم لأي حضارة من دون لغة مضبوطة الألفاظ، واضحة المعاني والمقاصد. وكانت اللغة العربية الفصحى التي نزل بها القرآن الكريم هي الأقدر على استيعاب أغرب المفردات، وتعدد المعاني والتراكيب وألفاظ البلاغة. وفي القرنين الأول والثاني الهجريين نشأت وتطورت مدارس كبيرة في اللغة العربية، ولا شك أن ضبط اللغة كان الخطوة الأولى لضبط الفكر؛ فقد وضع أبو الأسود الدؤلي أساس علم النحو، ثم وضع الخليل بن أحمد الفراهيدي علم العروض ومعجم “العين”، فأصبح هناك بناء هندسي ومنطقي للغة العربية، وتحولت من لغة يتحدث بها العرب سليقةً إلى لغة تُدرَّس وفق قواعد واضحة، حتى جاء سيبويه وبنى أول نظرية متكاملة في النحو العربي، مستندًا إلى الشواهد العربية الفصيحة.
وهذه الدقة اللغوية لم تبق حبيسة النحو والبلاغة، بل أنتجت دقة في المفاهيم انعكست على طريقة الاستدلال ذاتها. فبدأ المسلمون، في مرحلة مبكرة نسبيًا، بتأسيس مناهج للاستدلال في الفقه والاجتهاد، وتعوّد العقل العربي المسلم على المنهجية قبل أن يطّلع على المنطق اليوناني اطلاعًا واسعًا، وإن كانت درجة هذا السبق وحدوده لا تزال محل نقاش بين المؤرخين. وبرزت مدارس معروفة، مثل مدرسة أبي حنيفة في القياس، ومدرسة الإمام مالك في الاستدلال بعمل أهل المدينة والمصلحة، ثم اكتمل هذا التأسيس وتنظّم على يد الإمام الشافعي رضي الله عنهم جميعًا في تدوينه لعلم أصول الفقه، فتحول الاستدلال من ممارسة متفرقة إلى علم له قواعده.
ومن هذا المنهج المنظّم نشأ عقل نقدي لا يقبل المعلومة دون تمحيص، فتشكلت ثقافة ومنهج في التوثيق والتحقيق تميز بها المسلمون، وثقافة في التثبت من الأخبار والتمييز بين الصحيح والضعيف. ومن أبرز الأمثلة على ذلك: جمع القرآن الكريم في عهد الصحابة وتدوينه، وبدايات تدوين الحديث، ثم نشوء منهج الإسناد ونقد الرواة، وتطور علوم مصطلح الحديث. وكل هذه الأدوات تُعد أدوات توثيق وتحقيق تميز بها المسلمون دون غيرهم، استنادًا إلى القرآن الكريم والسنة النبوية.
ولا شك أن هذه العلوم لو لم تحمها مؤسسات منظمة تابعة للدولة، لتآكلت واندثرت. ويجب أن تكون هذه الدولة منظمة، ولديها مؤسسات تصنع بيئة مستقرة لازدهار المعرفة، وهذا ما حصل في عهد الخلفاء الراشدين، وكذلك في عهدي الدولتين الأموية والعباسية، إذ طوّرت الدولة الإسلامية جهازًا إداريًا منظمًا يخدم المجتمع. ومن أبرز الأمثلة على ذلك: تنظيم عمر بن الخطاب رضي الله عنه للدواوين، وتعريب الدواوين في العصر الأموي، وتنظيم بيت المال، وسك العملة الإسلامية، وغير ذلك من الهياكل الإدارية التي قامت عليها الدولة الإسلامية. وهذه المؤسسات كانت إحدى أهم ركائز البنية الأساسية التي قامت عليها الترجمة الحضارية لاحقًا، وظهر أثرها جليًا في عهد المنصور، حين بدأت إرهاصات الترجمة بترجمة كتب اليونان في الطب، ثم في عهد المأمون في بيت الحكمة، حين تحول مشروع الترجمة إلى مشروع حضاري كبير بلغ ذروته في القرن الثالث الهجري، واستمر تطوره خلال الدولة العباسية إلى أن اجتاح المغول بغداد وسقوط الخلافة العباسية.
ولم تقتصر أدوات الفكر على مؤسسات الدولة والمنهج الفقهي، بل امتد البناء المعرفي إلى التفكير الكمي أيضًا؛ فقد كانت الحاجة العملية لدى المسلمين محركًا لتطوير التفكير الرياضي، فعلم الفرائض، وحساب الزكاة والخراج، ومسح الأراضي، وتحديد المواقيت والقبلة، كانت جميعها تقوم على الحساب. وقد امتلك المسلمون أدوات حسابية وتطبيقية واضحة قبل حركة الترجمة، وإن كانت الرياضيات النظرية المتقدمة، كالهندسة الإقليدية، قد توسعت وترسخت أكثر بعد الترجمة واحتكاك المسلمين بها.
ومما يلفت النظر في تلك المرحلة المبكرة انتشار ثقافة التعلم وطلب العلم في كل بيت، وعلى كل المستويات الاجتماعية والأعراق والمناطق، حتى أصبحت المعرفة قيمة اجتماعية شاملة لا نشاطًا فرديًا يخص فئة أو قطرًا أو طبقة دون غيرها. فانتشرت حلقات العلم في المساجد، وأصبحت الرحلة في طلب العلم ظاهرة كبيرة في كل أقطار العالم الإسلامي، وظهر العلماء الموسوعيون، وأولت الدولة عناية بالغة بالعلماء ومدارس العلم وحلقاته، وشجّع الخلفاء والأمراء طلاب العلم ورعوهم، بعد أن كان العرب أمة أمّية قبل الإسلام.
وهذا الإقبال الواسع على العلم ما كان ليُثمر لولا ثقافة موازية في الكتابة والنسخ والتدوين، فالمجتمع الذي يكتب ويحفظ المعرفة يصبح قادرًا على استقبال علوم الآخرين. فرسخت هذه الثقافة وأصبحت جزءًا من أعمال الدولة اليومية، وتعددت أنواع الخط، وازدهرت أسواق الوراقين والكتّاب، واشتهروا في بلاط الخلفاء وفي مجالس العلم، حيث كان يدور حول العالم الواحد عشراتٌ، بل ربما مئات، من الطلبة يدوّنون ما يسمعونه. ومن أبرز الظواهر في ذلك انتشار المكتبات الخاصة والعامة، ونشوء مهنة الوراقة وما ارتبط بها من تجارة الورق والحبر، ويذكر بعض المؤرخين أن عدد الوراقين في بغداد بلغ في بعض العصور عدة آلاف، ينسخون الكتب يدويًا لتُباع في المكتبات لطلبة العلم وغيرهم.
وفوق هذا كله، تطورت أخلاقيات المعرفة، بحيث ارتبط العلم بقيم أخلاقية جعلت منه مشروعًا حضاريًا؛ فالأخلاق ليست منفصلة عن إنتاج المعرفة، بل جزء من نجاحها. ورأينا في تلك الحقبة أمثلة تكاد تكون خيالية في الإخلاص في طلب العلم، وفي الأمانة العلمية، ونسبة الأقوال إلى أصحابها، واحترام آداب المناظرة وتنظيمها بما يجعل نتيجتها تطورًا للعلوم، لا خصامًا بين العلماء.
ويمكن النظر إلى هذه الأدوات بوصفها سلسلة مترابطة؛ فاللغة الدقيقة أنتجت دقة في المفاهيم، ودقة المفاهيم أفرزت منهجًا في الاستدلال، ومنهج الاستدلال أسهم في بناء العقل النقدي، بينما وفرت الدولة والكتابة وثقافة التعلم البيئة التي سمحت لهذا العقل بأن يتحول إلى مشروع حضاري. وعندما جاءت الترجمة، وجدت هذه المنظومة مكتملة، فلم تكن بداية النهضة، بل نقطة انطلاقها إلى مرحلة جديدة.
اختيار المحررين
-
أحمد عز يدفع أكثر من نصف مليون جنيه نفقة لزينة قبل الحكم عليه ثقافة وفن منذ 4 ساعات -
دراسة علمية أسترالية: السباحة تساعد في تخفيف أوجاع أسفل الظهر علم منذ 8 ساعات -
العلم يؤكد لعشاق القهوة: يمكنكم الاستمتاع بـ5 فناجين يومياً لكن بشرط علم منذ 11 ساعة -
العلم يحذر: المشكلات المادية تجعل المخ يشيخ قبل الأوان علم منذ 9 ساعات