مباشر

وزارة نقل بدون نقل عام

يوسف الكويليت
نشر في: آخر تحديث:
مثل من يقرأ الكف، أو يبحث عن بصّارة تحلّ له لغز النقل العام، أصبح الحديث أو الكتابة عنه مثل العمل السريالي الذي يصعب تفسيره والوصول إلى فهم يقربك منه..

سمعنا الكثير، لكن عندما عرفنا أننا أمام خطط عشرية وثلاثينية بدأ يتبدد الأمل، فمرة يأتي التعليل من جغرافية المدن المعقدة، وغير المهيأة لهذه المشاريع، وهو تبرير غير منطقي، لأن مدينة مثل القاهرة تجاوز عمرها الألف سنة لم تعد هناك عوائق لقطار الأنفاق، ولا محطات النقل العام، ومثلها كل مدن العالم غنيها وفقيرها، لكن عندنا الحجج جاهزة وسهلة التعبير والتمرير لإعاقة أي مشروع حيوي واستراتيجي للخدمة العامة..

هناك بقايا حافلات تجوب الشوارع غير صالحة للخدمة، وزبائنها بعض العمالة ممن لم يستطيعوا الشراكة بسيارة قديمة تقوم بكل الأدوار لهم، وهناك فوضى سيارات الأجرة والتي كيف تعمل بدون نظام لتصبح جزءاً مهماً من أزمة السير والحوادث، ووزارة النقل بعيدة عن تنظيم ما هو موجود واتخاذ الاشتراطات المتعارف عليها بربطها عدة شركات كبرى ومراقبة سيرها بوجود (راديو) ومكاتب تأجير على مدار الساعة، وهذا الأمر لا يحتاج إلى هيئات خبرة واستيراد شركة إدارية بل إلى تطبيق ما هو معمول به في البلدان القريبة منا، ولا نطالب بمحاكاة كوريا الجنوبية وسنغافورة، أو نظام قطارات اليابان وروسيا!!

لدينا وفرة مال، وهناك إمكانات بشرية، وقابليات لنجاح هذا العمل، لكن الإرادة هي الغائبة تماماً، ومنذ إنشاء وزارة المواصلات وحتى الاسم المستحدث لوزارة النقل والتصاريح والأحاديث أكثر من الفعل، ولا أحد خرج إلينا يضعنا أمام الحقيقة، إلا تعطل قطار الدمام - الرياض الأحدث قبل أن يكمل شهره الرابع أو الخامس، ولا يزال لغز تعطله سراً لا يفهمه إلا المصنّع الأسباني والذي يبدو أنه رسب في أول الاختبارات ثم علق الأمر بالصمت من كل المسؤولين..

النقل العام جزء من تقدم مدني وحضاري، وليس ترفاً لأننا نعرف أنه مرفق لا يربح، ومع ذلك يُدعم من قبل الدول، ونحن قبل حسابات الربح والخسارة لم نصل بعد إلى رؤية المولود الذي ربما أمه عاقر، وحتى الأماني التي داعبت خيال الإنسان متوسط الدخل بالكيفية التي يتخلص بها من أعباء وخسائر السيارة والسائق وعبء توصيل الأبناء والعائلة، وكيف نقضي على السيارات السائبة للعمال السائبين، والأرقام التي ستوفر لنا العديد من المكاسب بهذه المشاريع الحيوية، لا تزال في عالم المجهول، ولا ندري من نلوم إذا كانت الدولة لا تخفي نواياها بإنجاح أي عمل حيوي لكن بيروقراطية الأنظمة وتخلّفها واتكالية المسؤول وعدم محاسبته، ليس فقط في محور النقل بل بالأجهزة الحكومية المترهلة، هي التي ساعدت على خنق أي مخطط يخدم القطاع العام..

هذه الكلمات مثل غيرها ستدخل دائرة الصمت، وهو الخيار الناجح، وبالتالي فالاستشهاد بما يُكتب ويطالب يعيدنا إلى أن الاهتمام بذلك بعيد عن أي مسؤول..


*نقلاً عن "الرياض"

قبل أن تذهب