مباشر

الصحة هل تسعفُ أحداً في الظلام؟

شافي الوسعان
نشر في: آخر تحديث:
يُقال في المثل «من يعطي ليراه الناسُ لا يسعفُ أحداً في الظلام»، ولستُ أدري فيما إذا كان هذا المثلُ متحققاً في بعضِ ما تفعله وزارةُ الصحةِ السعوديةِ أم لا، ففي بعضِ الأحيان يبدو بعض منسوبيها جافاً أشد الجفاف، قاسياً أشد القسوة في التعاملِ مع المراجعين، كما لو كانوا آتين لهذا المشفى أو ذاك طلباً للسياحةِ لا العلاج، وربما أسرفت هذه الجهة الصحية أو تلك في ذلك حتى انتهت به إلى أقصاه فوصلت إلى حدِ أن يستجديَها الناسُ بلا فائدة!

بينما هي في حالاتٍ أخرى تبدو وزارة الصحة لينةً أشد اللين، رحيمةً أشد الرحمة، وتجدُ فيها ما يشعرُك أنها مثاليةٌ في عنايتِها بالصحةِ إلى درجةِ توفيرِها للجميع بلا استثناء، من غير عنتٍ ولا مشقة وبلا معاريض أو شفاعات، حتى إذا أمَّنت كل ما يحتاجُه المواطنُ في الداخلِ ولم تجد من يحتاجُ إلى رعايتِها صارت تبحثُ عن المرضى في الخارج

فكأنها المعنيةُ بقولِ الشاعرِ: (ملأنا البرَّ حتى ضاقَ عنا … وماءُ البحرِ نملؤه سفينا)، وأرجو من القارئ الكريم ألا يفهمَ من هذا الكلامِ أني أعارضُ علاجَ غيرِ السعوديين، فالعلاقاتُ بين الدولِ وتعزيزِ مبادئ الأخوةِ والصداقةِ والترويجِ للثقافاتِ بين الشعوب كلها تستلزمُ مثل هذا العمل، فضلاً على أن الطبَّ عملٌ إنسانيٌ لا يجبُ أن يُحرَم منه الإنسانُ مهما كانت جنسيتُه وأياً كان معتقدُه أو دينُه، غير أن المواطنُ ينبغي أن يكون أولاً، كما أن هناك عديداً من التساؤلاتِ التي يطرحُها الناسُ في مجالسِهم وتبدو منطقيةً إلى حدٍ كبير، دون أن يجدوا لها جواباً شافياً من قِبلِ وزارةِ الصحةِ، مثل طريقتِها في تحريكِ طائراتِ الإخلاءِ الطبي

وفيما إذا كانت الحالةُ وحدها هي التي تحددُ هذه الحركةَ بغضِ النظرِ عن أيِ شيءٍ آخر، إضافةً إلى أن معايير العلاجِ في الخارج ليست واضحة، فإنك ما إن تستعرضُ أحوالَ بعض الناسِ وتتصفح وجوههم وتستنطق شفاههم، لا تجدُ أبلغ في التعبيرِ عن مشاعرهم من قولِ شوقي: (أحرام على بلابله الدوح … حلال للطير من كل جنس)

حيث توجدُ حالاتٌ لسعوديين مرضى لا تلقى الاهتمامَ الكافي، بينما حالاتٌ أخرى يؤتَى بها من الخارجِ تجد رعايةً صحيةً كاملةً ونفقةً عالية، وهو ما قد يؤدي إلى أن يتضاعفَ الشعورُ بعدمِ الرضا حين يتزامنُ هذا الفعل مع وجودِ مواطنين مصابين بأمراضٍ خطيرةٍ يجدون صعوبةً في العلاجِ على نفقةِ وزارةِ الصحة، أو حتى الإرسال للخارجِ عند الحاجة، خصوصاً أن بعضَ الحالاتِ طارئةٌ وتتطلبُ اتخاذَ القرارِ بشكلٍ عاجل، كالحالةِ التي بعثها إليَّ أحدُ القراءِ وحمّلني أمانةَ إيصالها إلى معالي وزير الصحة، وهذا نصها: «أصيبت زوجتي بعددٍ من الأمراضِ المتتاليةِ التي تطلبت إجراءَ عمليتين جراحيتين

حيث أصيبت بورمٍ خبيثٍ في العمودِ الفقري أدى إلى إجراءِ العمليةِ لها بشكلٍ طارئ في مستشفى الملكِ خالدٍ في محافظةِ حفرِ الباطن لإزالةِ الصديدِ فقط، دون إزالةِ الورم، وذهبت بعدها إلى مدينةِ الملكِ فهد الطبية، لكنهم لم يستقبلوا الحالةَ المرضيةَ، ما اضطرني للجوءِ إلى (مستشفى سليمان الحبيب الطبي)، الذي أوصى بإدخالِها إلى غرفةِ العملياتِ فوراً لأنها حالةٌ عاجلةٌ قد يؤدي تأخرُها إلى الشللِ التامِ بسببِ (تآكل الفقرةِ الثامنةِ في العمودِ الفقري). وقد وضعوا سيخاً بلاتينياً لربطِ العمودِ الفقري، ثم قمت بنقلِها إلى مستشفى الملك فيصل التخصصي لعلاجِ ورمِ السرطان المسببِ تآكلِ الفقرة، حيث قبلوا علاجَها عند وجودِ مرضٍ سرطاني، وبعد ذلك ذهبتُ إلى الشؤونِ الصحيةِ في منطقةِ الرياضِ للتنسيقِ مع مستشفى الحبيبِ الطبي بخصوصِ المصروفاتِ التي كان من المفترضِ أن تتكفل بها وزارةُ الصحة، ولكن فوجئت بعد ثمانيةِ أشهرٍ من المراجعاتِ المستمرةِ برفض المعاملة (دفع تكاليف العملية) ومطالبتي بدفعها، حيث قاموا بتقديرِ التكاليفِ بـ138 ألف ريال، علماً بأنني لا أستطيعُ دفعَ المبلغِ لأنه فوق طاقتي المالية وأنا عاطلٌ عن العمل».

إنني أتساءل: إذا كان مريضُ السرطانِ لا يستحقُ أن يعالَجَ على نفقةِ وزارةِ الصحة، فمن يستحق العلاجَ إذن؟! وأعجبُ والله من هؤلاء الذين يتلذذون بتعطيلِ مصالحِ الناس، ألا يدرون أن كلَّ واحدٍ من هؤلاء المرضى وراءه قصةٌ طويلةٌ من المأساةِ والعذاب؟!

*نقلا عن صحيفة "الشرق" السعودية.

قبل أن تذهب