ثقافة «النبش»!
لماذا كل المشاريع مرتبطة لدينا بثقافة النبش؟! فمنذ مرحلة التخطيط الابتدائية يتمُّ نبش فكرة قُدِّر لها الغرق في عالم النسيان لعقود، ثم أدركتها الحياة حين وُجدت بدرج حديدي ضاع مفتاحُه ليتمَّ كسرُه بواسطة “عَتَلةٍ” غليظة! لنأخذ ربط الطريق (س) بالطريق (ص) كمثال، تشكل لجنة عاجلة لدراسة الموضوع بعد تجاهل صدى الذكريات، حين طُرحت الفكرة قبل عقدين حينَما كانت الأرض فضاءً ويمكن تنفيذ المشروع بسهولة ويسر! بعد المناقشة المستفيضة يتمُّ التوصل لأهميَّة تنفيذ المشروع، فيتمّ رصف الطريق في خمس سنوات لا سنتين! بعد الانتهاء بشهر وافتتاحه ينبشونه لتمديد أسلاك الكهرباء و”التليفون”، ثم يردمونه بعد إصابته بعاهة، بعد سنتين ينبشونه مجدداً لتمديدات المياه، فيقطعون كيابل الكهرباء وخطوط الهاتف، ثم يردمونه فيصاب بالشلل، ينبش الطريق من جديد لإصلاح الأعطال الكهربائية والهاتفية فيكسرون أنابيب المياه، وتظهر الحفر و”الخوازيق” بسبب كثرة العمليات التي تتطلب إدخال الطريق إلى غرفة الإنعاش! ينبشون مجدداً ويردمون، وهكذا يستمر الحال حتى يموت الشارع ولا يتبقى من “المرحوم” سوى ذكرى سيرة حياة مضطربة بكثرة الشقوق وعمليات “الترقيع” على إيقاع ضجيج آلات الحفر ولوحات الاعتذار: “نعمل من أجلكم ونأسف لإزعاجكم”! الغريبُ أنَّ الشارعَ – وبعد حياته المأساوية – يسلمُ من أي محاولة لنبش الأسباب التي أوصلتْه لحالة الموت السريري تلك، وعوضاً عن ذلك يعالج بطرح مناقصة جديدة لرصفه من جديد، وبنفس الخطوات والأفكار “النبشيَّة” المتَّبعَة!
*نقلا عن صحيفة "الشرق" السعودية.