دعونا نحارب الفساد
عبدالله بن بخيت
يتوجب علينا أن نعرف أن كلمة فساد التي تدور بيننا ليست عربية وليس لها علاقة بالثقافة العربية. لا تختلف عن قولنا شفافية ولا تختلف عن قولنا ليبرالية ولا تختلف عن قولنا عدالة اجتماعية ولا تختلف عن قولنا مجتمع مدني وغير ذلك من كلمات مستوردة نلوكها بأطراف ألسنتنا. أي كلمة في أي لغة لا تعيش بدلالة واحدة وليست مفصولة عن الثقافة. ليست مجرد رمز يدل على شيء محدد كعلامات المرور. عندما تجلس مع صديقك البسيط العادي ويقول لك ترى فلان فاسد. لا يمكن أن يخطر ببالك أنه يقصد أن فلاناً يستخدم سيارة العمل لتوصيل عائلته أو أنه يوظف أقاربه على حساب الآخرين. أول وآخر ما سوف يأتي على بالك شرب الخمر أو تعاطي المخدرات والزنا إلى آخر المخالفات الاجتماعية التقليدية. لا يمكن أن يكون بين إشارات الكلمة (في ذهنك) ما يذهب بك إلى الفساد الإداري أو الفساد العام. الفساد الإداري في اللغة الإنجليزية هي corruption . وهذه ليس لها أي دلالة في الثقافة العربية. لم يجد الرجال والنساء الذين ترجموا هذه الكلمة إلى العربية سوى كلمة فساد للتعبير عن دلالتها. كما ترجموا بخطأ لا يغتفر كلمة science إلى علم.
عندما تذهب إلى صديقك مدير المرور أو الجوازات أو كتابة عدل وغيرهم وتجلس معه تدردشان حول سهرة البارح. بعد قليل سيسألك ها وش عندك زايرنا اليوم يا أبو محمد. ستخرج من جيبك الأوراق وتمدها ثم يلتفت على الجندي أو الفراش يقول له: خذ هذي خلهم يخلصونها بسرعة. بعد نصف ساعة يعود الفراش ومعه الأوراق وقد أنجزت. هذا في التعبير الغربي المستورد اسمه فساد. لكن في التعبير المحلي اسمه فزعة. دعنا نقلب القصة. دخلت عليه وطلبت منه يخلص لك هذي المعاملة وقال لك: والله صعبة يا أبو محمد ياليتك بعد ما تخلص بيالة الشاي تروح وتصف مع الناس مثلك مثل غيرك. ستخرج من مكتبه وعروق رقبتك منتفخة وأقل شيء ستقوله الليلة عندما تجتمع مع الربع. اثر فلان ما فيه خير. أيهما الفاسد الأول أما الثاني. لا تعتقد أن الإجابة بهذه السهولة. إذا اتكأنا على الثقافة الغربية المستوردة فالمدير الذي أنجز معاملتك على بيالة شاي هو الفاسد ولكن إذا استندنا على المفهوم العميق للفساد في ثقافتنا فالفاسد هو الرجل الذي لا يفزع مع ربعه. أسوأ كلمة تصف بها إنساناً أن تقول عنه (ما فيه خير). أيهما أبرد على قلبك أن يتهمك كتّاب الجرائد الليبراليون بالفساد أم أن تتهمك جماعتك وربعك وأصدقاؤك بالفساد؟ من سيزوجك إذا خطبت: كتّاب الجرائد أم جماعتك. من سيسلفك إذا احتجت: كتّاب الجرائد أم ربعك؟
المسألة معقدة أليس كذلك لكن ما هو الحل. لا شك طرأ على بال كل منا حل. أنصح كل من طرأ على باله الشعارات المستهلكة (مهايط الدعاة الأخلاقي ومهايط المثقفين الحداثي) أن يختبرها جيداً فقد يكتشف أنها هي أداة تكريس المشكلة واستمرارها.
نقلا عن صحيفة "الرياض"