مباشر

فيضة السوق

عبد العزيز محمد الذكير
نشر في: آخر تحديث:

اعتاد البشر، حاضره وغابره أن يُخصص جزءا من يومه للخروج من المنزل. والدليل على هذا أن مدننا اختارت في الماضي بعيد صلاة العصر للذهاب إلى سوق المدينة أو القرية، لا لسبب مُعين أو غرض محدد لكن ليرى ويُرى. وتلك الممارسة كانوا يسمونها "الفيضة" أو "فيضة السوق"، ومن لا يشاهَد في السوق فقد يكون مسافرا أو مريضا أو أن شيئا آخر حال بينه وبين المتعة/ العادة اليومية القديمة.

ومفردة "فاض" فصيحة. وفاض الخَبَرُ: شاعَ، وفاض الشيءُ: كَثُرَ. فالناس كانت "تفيض" أي تبين لبعضها وجودها وتملأ السوق.

ولاحظتُ ومتأكدٌ أن غيري لاحظ أنهم في الغرب لا زالوا في القرى يحبون العادة تلك، ويمارسونها، ونجد المتقاعدين والمتقاعدات أكثر تشبّثا في العادة، ويُفضلونها مشيا على الأقدام حيث الأرصفة المتوازنة المناسيب تُشجع أيضا على قضاء ولو نصف ساعة يوميا في سوق المحلة، أو شراء ما يلزمه أو إلقاء التحية على جار أو قريب، أو مصافحة قادم لم يره من مدة. وهذا ما قلتُ عنه إنه جزء من طبيعة البشر مهما زاحمتهم المدنية وعُقد الحياة المعاصرة.

وستلاحظون أننا في الرياض اخترنا المجمعات (المولات) للمشي داخل اسواقها النظيفة والمبردة، حتى ولو لم نشتر سلعة.

في بالي الآن شوارع نظيفة، في حارات نظيفة، لا تحتاج إلا لبعض العناية في تأهيل الأرصفة لتُمكن المرء أو الأسرة من قضاء ساعة أو أقل أو أكثر يوميا في المشي والتطلع إلى المعارض مثلما كان شارع الوزير سابقا، حيث كنت ترى الناس يسيرون بأمان على أرصفة خُصصت لهم. طالت لندن وكبّرتْ وتوسّعت، لكن المسير في شارع أكسفورد لا يُخفيه الزمن. ولو طال.

الشارع الذي في بالي الآن هو شارع الأمير متعب في حيّ الربوة بالرياض. هذا الشارع تأهّل لاحتواء خدمات كثيرة وسلع، إن لم أقل كل الخدمات والسلع. ففيه يجد القاصد الصيدليات وخدمات الطالب ومطاعم الوجبات السريعة المُراقبة والنظيفة والإلكترونات والمعدات المنزلية والمصارف، حتى طاحون القمح ودكاكين الأكل الشعبي القادم من القصيم وغيره من مدننا، كذلك وجود دكاكين الملابس الراقية.

فلو التفتت أمانة مدينة الرياض أو الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض لتأهيل أرصفته على نَسَق حديث وحضاري، فسيدعو سكان الحيّ للمسؤولين بالتوفيق والأجر، سيما وأن الموضوع لا يشمل حفريات وتعطيل مرور، وتكلفته في المتناول.

سنجد عادة "الفيضة" عادت إلى ديارها، وبوجه أكثر تألقا. وسيلح سكان الأحياء المجاورة وغير المجاورة على متابعة الطلب في تطوير بيئتهم.

نقلاً عن صحيفة "الرياض"

قبل أن تذهب