المسلمون وأزمة الفكر الطاحنة: عظمة مظلة العقل
الطائفية والعنصرية وكل ما يندرج تحتهما شر محض واضح لكل ذي عقل، وأقرب الأدلة على ذلك حال العراق، فرئيس الوزراء نوري المالكي ليس طائفيا متعصبا فقط، بل أكبر المحرضين على الطائفية اللائذين بحماها العفن، ويقابله طائفية (داعش) التي لا تتورع عن قتل من يسميها بهذا الاسم الداعشي الذي يختصر اسم دولتها المزعومة، وبين جيش المالكي وجيش داعش، يجري انتهاك حرمة العراق، وملء القبور بالأبرياء، وتهجير الأيتام والنساء والباحثين عن حياة الأمن والاستقرار إلى آفاق المجهول ودنيا الضياع. المتاجرون بالدين من الطائفتين يجدون رواجا هائلا لتجارتهم بين البسطاء والعوام والمستفيدين في سوق التأجيج والقتال والقتل، وهؤلاء المتاجرون هم سبب كل بلاء حل بالأمة الإسلامية منذ ألف وأربعمائة سنة وحتى اليوم، فهم في كل عصر ومصر سبب الاقتتال والفرقة والسقوط، سواء كانوا حكاماً أو جماعات أو طوائف، وإنك لتعجب أشد العجب من هذه الأمة التي جاء الإسلام ليرفع من شأنها بين أمم الأرض، فأولته واستخدمته ليكون سبب سقوطها الدائم عبر تاريخها كله، هذا الدين الذي جاء لتكريس قيم الحق والعدل والخير، أصبح بيد تجاره والقافزين باسمه معولا للهدم وتكريس الظلم والسوء والفتن بين المسلمين أنفسهم، فباسم الدين تقوم دول، وباسمه يأتي من يسقطها، وهكذا دواليك حتى غدت الأمة أضحوكة مؤلمة عبر تاريخها غير المجيد الذي كلما برقت فيه بارقة أمل أطفأها الطائفيون وتجار الدين ومسيسوه.
إن أزمة الأمة عبر تاريخها كله وحتى اليوم، هي أزمة فكرية محضة سببها الفهم الخاطئ للدين الإسلامي العظيم، هذا الفهم العقيم الذي حال ويحول دون سن قوانين وأنظمة شاملة تصون حقوق الفرد وتضمن حريته في الاختيار والحياة، وتحميه وتحمي منه، وبهذا تشكل مجتمعا مسالما همه بناء الأرض التي استخلفه الله فيها، وصيانة الحياة التي منحها الله له.
هذه الأزمة الفكرية التي طحنت رحاها المسلمين عبر العصور وما زالت تطحنهم لن تتوقف، ما لم تكن قيم الحق والعدل والخير والحرية هي السائدة، وهي لن تسود إلا بقوانين وأنظمة واضحة يكون محورها الأساس (الدين لله والوطن للجميع)، هذا المحور هو الذي توصلت له أمم العالم المتقدم بعد قرون من الدم والاستعباد، وهو ما ستتوصل له دول الأمة الإسلامية - شئنا أم أبينا - وبعضها وصل فعلا أو على وشك الوصول، فعجلة التاريخ تسير إلى الأمام، وحتمياته تقول به، فلماذا لا تختصر الأمة الطريق، وتوقف أنهار الدم المتدفقة الآن، والمتوقعة غداً، بفضل تغذية تجار الدين ومسيسيه للطائفية، وادعاءات الطهر، وشعارات الزيف التي تستخدم الإسلام أسوأ استخدام وتسخره لمصالحها وطموحاتها في استغلال الناس واستعبادهم ونهب وتبديد مقدراتهم وثرواتهم.
ما لم نقر أولا أن تكريس الفهم الخطأ للدين هو سبب كوارث الأمة تاريخيا وحاضرا، فلا أمل في مستقبل قريب تسوده قوانين العدل والحرية، وسنستمر في نفس الحلقة المفرغة التي لا تنتج إلا الخراب والقتل إلى أن يقول التاريخ كلمته الفاصلة، كما قالها لمن سبقونا في خوض أنهار الدم، إلى أن وقفوا تحت مظلة العقل. فمتى نقف تحت هذه المظلة المتاحة لكل من يراها ويقدر عظمتها؟
نقلاً عن صحيفة "مكة"
www.makkahnewspaper.com/makkahNews/2014-02-17-09-03-10/53710#.U56EzLjpceE