مباشر

لو كان مغتصب القاصرات سباكا

بدر بن سعود
نشر في: آخر تحديث:

وقعت ما بين عامي 2008 و2011 مجموعة من الجرائم غير المعتادة في المجتمع السعودي، وذلك عندما قام شخص بالاعتداء على طفولة ثماني قاصرات في جدة، تراوحت أعمارهن بين 6 و12 سنة، وكان أن استطاعت إحداهن مساعدة الجهات الأمنية في القبض عليه، وملف القضية استمر عالقا لسنوات، والمتهم رفض الأدلة والقرائن في البداية واعتبرها ملفقة، ولم ينظر إلى كلامه؛ لأن بصمات حمضه النووي وجدت في ملابس المغتصبات وفي أجسادهن، والرجل بافتراض أنه يستحق حمل هذه الصفة، مارس شكلا متجاوزا من السادية، وكانت له طقوس مازوشية معاكسة في معاملة ضحاياه الصغار، تبدأ باحتجازهن داخل شقته ومن ثم ضربهن وإجبارهن على تعاطي الكحوليات ومشاهدة مقاطع وصور فاضحة، ويكون الاغتصاب والتخلص من الضحية بعدها، وهذا النوع من الناس استقرت المجتمعات الغربية على تسميته «بيدافايل»، وهم يمنعون من دخول أماكن كثيرة في حال الإفراج عنهم، ولا يسمح لهم بالاقتراب من الأطفال ولأي سبب ويحتجزون وتؤخذ عليهم تعهدات في حال الإبلاغ عن دخولهم لمواقع خاصة بالأطفال أو بالعوائل، وهناك من يعتقد بأن انحيازهم لصغار السن فيه جبرية، وأنهم لا يستطيعون التحكم في تصرفاتهم، وبالتالي فإن إيداعهم المصحات النفسية أفضل وأسلم من مجرد إصدار عقوبات لن تغير في شخصياتهم، وبعض المختصين يعتبرونهم، أحيانا، من أصحاب الأمراض الموروثة، ويرجحون وجود تاريخ في عائلاتهم لما يمارسونه من انحرافات. وفي رأيي هؤلاء لا يستحقون الحياة أو أقل درجات الرحمة.
ملف الاعتداء على الصغار من الجنسين ليس جديدا، ويحدث أن يكون الطرفان في أعمار متقاربة نسبيا وفي مرحلة المراهقة، والبنات المسترجلات يقمن بأدوار مشابهة في مراحل التعليم العام المتقدمة وفي الجامعة، ونشرت تحقيقات في الصحافة المحلية حول المسألة، والأخطر أن تقوم رابطة عاطفية بين الجلاد والضحية أو ما يعرف بـ«متلازمة استوكهولم»، والموضوع حساس ومحاط دائما بإطار من السرية وتحكمه ثقافة العيب وطبيعة المجتمع المحافظة، ولا أتصور أن الفصل بين الجنسين يشكل سببا رئيسيا في قيام هذه العلاقات غير السوية؛ لأنها موجودة في المجتمعات المختلطة، والفعل لا يمكن أن يقيد بمهنة أو طبقة اجتماعية دون غيرها، واحتمال حدوثه قائم وبنفس الدرجة في مختلف الأوساط، وفي بعض الحالات تلعب سلطة الشخص ومكانته دورا خاصا في قبول الانحراف أو التجاوز على آدمية الأصغر سنا أو الأقل مرتبة، والفاتيكان ومعه السلطات الكنائسية في أوروبا عانت في السنوات القليلة الماضية من فضائح متعلقة بالجانب المذكور على وجه التحديد، وما زالت تحاول تحسين صورتها وإثبات أن الأمر يخص دوائر ضيقة ومحدودة وليس المؤسسة الكنسية بكامل طاقمها.
المريض الذي قام بالاعتداء على القاصرات وشغل الرأي العام السعودي وأثار جدلا واسعا لفترة، خصوصا أن كاميرات المراقبة في الأسواق والأماكن العامة رصدته في مناسبات مختلفة يستدرج ضحاياه دون أن يتم التعرف عليه، قبل أن تفضحه ضحيته الأخيرة وتساعد في تمكين السلطات الأمنية من ضبطه، أودع سجن «بريمان» لمدة قاربت الأربع سنوات، واستقر رأي القضاء على قتله تعزيرا، ونفذ الحكم داخل السجن يوم الإثنين 26 يناير 2015، ولم أفهم محاولة تبرير العقوبة في حيثيات الحكم الذي يستحقه بامتياز، والقول بأنها جاءت لأن سن المغتصب كبير، وأن مهنته التربوية وعمله في سلك التعليم تجعله في موقع المؤتمن ما يجعل خطأه مضاعفا، وربما لو كان سباكا أو سائق ليموزين أو موظف بنك لاختلف الحكم، وهذه مصيبة فعلا، والاحتمال وارد بأن من يتورط في جرائم أخلاقية وسنه صغيرة لا يعاقب بشكل مماثل، وكأن السن يدخل في باب الأعذار المخففة، وهو مقبول بالنسبة للمراهقين، أما من يتجاوز الواحدة والعشرين، فإنه ــ في رأيي ــ غير مؤهل ولا يليق أن يفتح له مخارج شرعية أو نظامية، وأتفهم واحترم تماما وجهه نظر جهات الاختصاص في إطارها العام، ولكني أجد تناقضا بين التصريح باسم الشخص الكامل وتنفيذ الحكم في مكان مغلق وبعيدا عن الأعين، فالواجب أن التنفيذ تم في ساحة مسجد الجفالي الشهيرة وبعد خروج المصلين من صلاة الجمعة مباشرة، حتى يراها المأزومون أمثاله، ويعتبر المنحرفون والمنحلون ومن يرغب في اختيار طريقه.

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

www.okaz.com.sa/new/Issues/20150202/Con20150202750665.htm

قبل أن تذهب