مباشر

اقْلبي وجهكِ

مشعل السديري
نشر في: آخر تحديث:

الموت حق، لكن الحياة (تأخذ العقل) و(تهبل)، يكفي أن فيها أضواء وألوانا وأزهارا وعشّاقا وآمالا ومواعيد، وقد يقول قائل: وكذلك فيها ظلام وأشباح وأشواك ومجرمون وإحباطات وتسويف، ونحن نقول: هذا صحيح، ولكن الفراق صعب عند الإنسان الذي تعود على محبة أو معايشة أو تعاطى الحياة بكل أشكالها.. فاللهم لا تحرمني أنا (على الأقل) من الاستمتاع إلى الرمق الأخير، بعد أطول عمر ممكن، في هذه الحياة الفانية التي لا أريد أن أبكيها ولا أريدها أن تبكيني كذلك، أريد منها أن تدغدغني كما أدغدغها، وتحتويني بعناق ووصال لا يفتران ولا ينقطعان، وإذا كان لابد من الانقطاع يوما، فما أروعه لو أتاني على غفلة مني ومن زماني، لأذوب فيه مثلما يذوب الحلم الحميم في جوف الليل الهادئ المبحر في محيط لا تحده شواطئ، وتسبح و(تبلبط) فيه من حولي عرائس البحر.

هناك الكثير من العظماء والناس العاديين كذلك، عندما تحضرهم الوفاة، يتفوهون بكلمات قد تكون هي اختصار أو اختزال لرؤيتهم الشاملة، مثل (بيرغاسندي) عندما قال: ولدت لا أدري لم، وعشت لا أدري لم، وها أنا أموت من دون أن أدري لماذا ولا كيف؟!، أما الصحفي والناشر (كلارنس بارون). فكانت آخر كلماته هي: ماهي آخر الأخبار؟!، فأجابه من في الغرفة: هي وفاتك، غير أنه لم يسمع هذا الخبر، أما الطبيب الأسكتلندي (جورج كومب) فقال: إن أحاسيسي التي تنتابني الآن، والتي لا تخطئ، تقول إننى أحتضر، وإنني مسرور لذلك، ثم أغمض أجفانه إلى الأبد، أما الممثل (دوغلاس فيربانكس) فقال: لم أحس في أي وقت بأني أفضل حالا مما أنا الآن، وبعدها مات مباشرة، وقد صاح الجنرال الفرنسي (هنري فيكونت) بجنوده يحثهم على الإقدام ويشجعهم قائلا: ليس في نيتي أن أقتل اليوم، وبعد ذلك بثوان أصابته قذيفة مدفع وأطارت برأسه. أما الروسى (ميخائيل بستوجيف) فقد قال عندما انقطع حبل المشنقة الملتف على رقبته: لا شيء يفلح فيما يخصني حتى حبل المشنقة يصيبني بالخيبة، أما الامبراطورة (ماري انطوانيت) فكانت كلمتها الأخيرة اعتذارا لجلادها عندما داست بالخطأ على أصبع رجله وقالت: أرجو المعذرة أيها السيد.

أما الامبراطور الروماني (سيانوس) فقد أصر على أن يسندوه ليموت واقفا وقال: الأباطرة يجب ألا يموتوا إلا وهم وقوف، فلما مات قبروه كذلك وهو واقف، وأعتقد أنه ما زال واقفا منذ 2500 سنة، أما الزعيم المصري سعد زغلول رحمه الله، فقد قال لزوجته: مافيش فائدة غطيني يا صفية، فلما غطته غط في موت عميق.

وأختم هذه الكوكبة من أقوال الموتى، بتلك الحادثة (المؤسفة) التي يرويها أحد الأصدقاء، عن والده عندما حضرته الوفاة، ويقول: في الدقائق الحرجة، تقدمت والدتي ورفعت رأس أبي تريد أن توجهه للقبلة وتشهده، وفجأة انتفض وأزاح يدها وهو يقول لها غاضبا: اقلبي وجهك و(انطمي)، هل تعتقدين أنني لا أعرف القبلة أو التشهد؟!، ثم ولى وجهه ناحية القبلة ورفع سبابته متشهدا، وقضى نحبه، فيما كانت والدتي تبكى بحرقة، وإلى الأن لا أدري هل كانت المسكينة تبكي على وفاته، أم لأنه قال لها: اقلبي وجهك و(انطمي) ؟!
فقلت له: لا شك أن والدك رحمه الله كان (شايب وعايب).

*نقلاً عن صحيفة عكاظ

قبل أن تذهب